أسرة فقيرة في نابلس تحتضن مسنّة تَخلّى أقاربها عنها

الدنيا بخير

نابلس- الحياة الجديدة- رومل السويطي- بعد أن قضت ما يزيد عن سبع وسبعين سنة في هذه الحياة بحلوها ومرها، وبعد أن فقدت كافة أشقائها وشقيقاتها، ثم رفيق دربها الثمانيني، ودون أن يرزقهما الله بالبنات والبنين، تبدأ معاناة المسنّة "ع.ع" مع أقاربها، خاصة مع أبناء وبنات أشقائها وشقيقاتها، الذين تعاملوا معها كمتاع مهترئ ولا بد من التخلص منه.

وكانت بداية الكشف عن مأساة هذه المسنة بين المعبرين الأردني والإسرائيلي، بعد أن شاهدت المواطنة "أم العبد" من منطقة نابلس السيدة المسنة تبكي بحرقة، وسألتها عن سبب بكائها، وكانت الكارثة في الإجابة. تقول المسنة "ع.ع" إنها وخلال وجودها على المعبر الأردني، اتصلت هاتفيا مع أحد أقاربها حتى يأخذها من "استراحة أريحا" لكنه رفض، وطلب منها العودة الى الأردن، فقامت بالاتصال مع أقاربها في الأردن، فكان جوابهم لها نفس الجواب الأول، وهنا كانت بداية القهر.

خلال ذلك، وبعد أن أجهشت المسنّة المقهورة بالبكاء، تنبهت لها المواطنة "أم العبد" وعرفت قصتها، التي تتلخص بأنه وبعد وفاة زوجها قام أحد أبناء شقيقتها بإخراجها من بيتها في الضفة ووضعها في شقة سكنية وحدها بالعاصمة الأردنية عمان، فيما قام آخر من أحد أبناء شقيقاتها بالاستيلاء على ما تبقى من مصاغها، وحين عجزت عن العيش بمفردها في الشقة بعمان، حاولت التوجه الى أحد أقاربها في عمان حتى تعيش معه بقية حياتها بشكل طبيعي، لكنه قام بنقلها الى "مجمع سيارات الجسر" ووضعها مع أحد المسافرين الى الضفة، وطلب منه أن يضعها في إحدى سيارات مدينتها، حتى تصل الى أقاربها هناك. وبعد ذلك، حصل ما حصل معها من رفض أقاربها وصولها الى الضفة أو عودتها الى الأردن، ولم يكن في محفظتها سوى مبلغ مئة وخمسين دينارا أردنيا، هو كل ما تمكنت من الاحتفاظ به.

بعد ذلك، قامت المواطنة "أم العبد" باصطحاب السيدة المسنة الى بيتها في منطقة نابلس، وحتى تقوم بواجبها على خير وجه، تواصلت "أم العبد" هاتفيا مع أقارب السيدة "ع.ع" في الضفة والاردن، وتبين لها صحة أقوال المسنّة، وأن أقاربها لا يريدون استضافتها بحجة أنها تتدخل في شؤون أطفالهم وزوجاتهم.  وهنا، كان الموقف الكريم للمواطنة "أم العبد" بأن تخبر ضيفتها "ع.ع" بأنها ليست ضيفة على بيتها، وإنما صاحبة بيت، ولها كل صلاحيات الجدة في بيت ابنها "ابو العبد وابنتها "أم العبد".

"الحياة الجديدة" توجهت برفقة مدير عام لجنة زكاة نابلس علاء الخاروف الذي حمل معه كمية من المساعدات والطرود الغذائية الى بيت الأسرة بمنطقة نابلس، التي تؤوي السيدة المسنّة، ووجدنا أنفسنا أمام حالة إنسانية قاسية جدا من جانبين، الجانب الأول حالة القهر التي تعيشها السيدة المسنّة، والتي رفض أقاربها استقبالها، ووجدت نفسها دون أي قريب يعتني بها أو حتى يسأل عنها، والجانب الثاني الحالة المادية الصعبة للأسرة التي آوتها، "الحياة الجديدة" قالت لصاحبة البيت ان هناك ميسورين يريدون استضافة السيدة المسنّة، فرفضت "أم العبد" بشكل قطعي التخلي عنها، وقالت" أنا وزوجي لن نقفل علينا بابا للخير يسره الله لنا من خلال خدمة هذه السيدة المظلومة وسنتقاسم معها اللقمة".

"الحياة الجديدة" توجهت بالسؤال للسيدة المسنّة "ما الذي ينقصك يا جدة؟" أجابت وهي تحمل بين يديها المسبحة "الحمد لله، لا ينقصني شيء.. ها أنا ذا أقضي وقتي أسبح لله تعالى، وربنا يسّر لي أبناء وأحفاد لأقضي معهم ما تبقى لي من وقت في هذه الحياة".

وسألنا صاحبة البيت "أم العبد" عن احتياجاتها، فأجابت "نريد أن يرحمنا الله برحمته ولا نريد شيئا آخر.. الحمد لله مستورة"، ألححنا عليها السؤال أكثر من مرة، وكان نفس الجواب، ثم طرحنا عليها السؤال بطريقة مختلفة "أكيد تحتاجون أشياء تساعدكم لخدمة هذه السيدة؟" أجابت "بمجرد ربنا يفرجها علينا ماديا، أنا وزوجي نفكر ببناء غرفة صغيرة الى جانب البيت حتى نعطي هذه السيدة الفاضلة شيئا من الاستقلالية، كما نفكر باصطحابها الى الديار الحجازية لأداء مناسك العمرة".

وبعد مغادرة "الحياة الجديدة" منزل الأسرة، وعد مدير لجنة زكاة نابلس علاء الخاروف بمتابعة هذه القضية مع الجهات المختصة، ومساعدة الأسرة، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة خاصة ببناء غرفة خاصة بالسيدة، والوقوف الى جانب هذه الأسرة الكريمة المتعففة.