رحلة الى ديربان.. "جوهرة جنوب افريقيا"

يقترن اسم فلسطين هنا بياسر عرفات.. وقبائل الزولو هتفت باسمه

ديربان – الحياة الجديدة- زويا المزين وولاء الشمالي – في السادس من حزيران أتاحت لنا المنظمة العالمية للصحف وناشري الاخبار وبالتعاون مع صحيفة الحياة الجديدة فرصة السفر الى دولة جنوب افريقيا وحضور المؤتمر العالمي للصحافة.

وعلى الرغم من تزاحم حلقات النقاش والمحاضرات على جدول أيام المؤتمر الأربعة في مدينة ديربان شرق جنوب افريقيا، إلا اننا حاولنا البحث عن متسع للتعرف على الحضارة الافريقية وزيارة الاماكن المعروفة في ديربان.

ديربان المدينة التي أطلق عليها "بوابة العبور الى مملكة الزولو" ولقّبها آخرون بـ"جوهرة جنوب افريقيا" أما أصحاب رياضة "الركمجة" ركوب الامواج فاختاروا "مدينة الامواج" اسما لها.

تعتبر مدينة ديربان ثالث اكبر مدن دولة جنوب افريقيا ويبلغ عدد سكانها نحو 4 ملايين نسمة وتعد الوجهة المفضلة للسياحة خصوصا الداخلية لشواطئها وشوارعها المليئة بأشجار النخيل اضافة الى جوها المعتدل على مدار السنة ومياهها الدافئة.

وتعد "جوهرة جنوب افريقيا" ثاني أهم مركز صناعي بعد جوهانسبرغ أما موانئها فتعد الاكثر ازدحاما ليس فقط في جنوب افريقيا بل في القارة الافريقية عموما.

تتزاحم الاشجار على جانبي الطريق وتغطي الطبيعة الخضراء المكان وعند التجول ركوبا أو سيرا في شوارع المدينة نلاحظ كثرة تواجد الملاعب وساحات التنزه، ما يعكس اهتمامهم بالرياضة، وأكثر الرياضات شهرة في ديربان هي "الركمجة".

يقابل شواطئ ديربان "كورنيش" يتوافد اليه السياح واهالي المدينة للاستمتاع بمنظر الامواج، ولا يفوتك مشهد أطفال المدينة الذين يستغلون فرصة الذهاب الى المحيط بعد انتهاء دوامهم المدرسي.

تصطف على الكورنيش عربات تقليدية بيضاء مزينة بالورود والألوان يضع اصحابها قبعات ملونة وتقل هذه العربات السائحين في جولة سريعة حول المدينة.

ولا يغيب عن كل من يزور ديربان وتحديدا قرب الميناء، المتنزه البحري "اوشاكا" الذي يضم أحواضا للأسماك والدلافين والفقمة والبطريق"، كما تضم سلسلة مطاعم تطل على المحيط.

في مدينة ديربان يقع استاد "موزيس مابيدا" الذي شيد في كأس العالم بكرة القدم عام 2010، وتعلو الاستاد سكة حديد معلقة تأخذ الزائرين لمشاهدة المناظر الخلابة للمدينة، ويتيح الاستاد الفرصة للزائرين لممارسة عدد من الرياضات مثل القفز بالحبل "البنجي جامب" من أعلى الاستاد.

سوق "فيكتوريا"

أول ما يجذبك عند مرورك بشارع فيكتوريا مئذنة مسجد ذهبية طويلة تقابلها كنيسة وكنيس، ويعج السوق في شارع "فيكتوريا" بالبسطات والمحلات البسيطة التي تعرض أدوات افريقية وتحفا شعبية ذات طابع افريقي، كما تتعدد فيها محلات التوابل الافريقية والهندية وتشتهر بسوق "السمك واللحم".

منذ عام 1948 استطاع نظام الفصل العنصري "الابارتهايد" تقسيم جميع مدن جنوب افريقيا إلى أحياء ومناطق بناء على لون البشرة، فالبيض يسكنون في أعالي الجبال وأرقى المناطق واكثرها تطورا أما السود وخاصة الفقراء يتخذون من الوادي مكانا للسكن.

والآن وعلى الرغم من النضال الذي خاضه الافارقة لنيل حريتهم بقيادة نيلسون مانديلا وإلغاء نظام الفصل العنصري عام 1990 إلا ان تبعات نظام الابارتهايد لا تزال ماثلة حتى أيامنا هذه.

يقول "بيك" ويعمل مرشدا سياحيا "لا يزال البيض يسكنون الاحياء الراقية ذاتها ولا زلنا نحن السود نعيش في مستوى أقل، بعد انتهاء نظام الفصل العنصري أصبح مسموحا للسود السكن والبناء في المناطق الغنية وذات الاغلبية البيضاء.. ولكن تحتاج الى الكثير من الأموال لذلك".

في مدينة ديربان يصل سعر البيت في "مناطق البيض" الى ملايين الدولارات، بينما لا يتعدى ثمن بيت في "مناطق السود" الى 50 دولارا في بعض القرى.

اثناء تجولنا بين بعض القرى هناك لاحظنا تعجب اهالي المنطقة من زيارتنا لهم وترحابهم بنا في نفس الوقت، يقول بيك "ربما هي المرة الأولى التي يرى فيها سكان هذه المناطق أشخاصا بيضا، وهناك ايضا قرى يسكنها السود لم يروا في حياتهم ابيض واحدا على الاطلاق".

"أبيض، هندي، ملون، ومن ثم نحن السود" الترتيب الطبقي للناس كان بهذا الشكل، الأقلية البيضاء هي من كانت تحكم البلاد" يقول بيك، "وتتم معاملتنا على اننا الطبقة الأدنى على الرغم من اننا أصحاب البلاد".

وما زالت جنوب افريقيا تعاني من البطالة وارتفاع نسبة الجريمة، كما أن اجزاء من ديربان وخاصة القرى تعاني من ضعف في البنية التحتية ونقص في الخدمات، لا سيما المناطق التي يسكنها السود إذ تعاني نقص الكهرباء ومياه الشرب، والطرق غير معبدة وليست مهيئة لحركة السيارات.

في حضرة "الزولو"

في اليوم الاخير من المؤتمر قررنا الذهاب في رحلة الى منطقة تسمى وادي "ثاوزند هيلز" "وادي التلال الألف"، والذي يقع في عمق المدينة ويعد جزءا من مملكة الزولو التي تأسست في بدايات القرن التاسع عشر من قبل الملك شاكا زولو، وتضم المنطقة عددا كبيرا من القرى الصغيرة والمزارع.

يعيش في وادي "ثاوزند هيلز" أفارقة ينتمون الى قبائل الزولو الافريقية ويتحدث أهلها لغة الزولو وهم سكان جنوب افريقيا الاصلية والذي يشكلون النسبة الاكبر من عدد سكان الدولة، وتتسم القرية بمساحتها السكانية الكبيرة وتعدادها السكاني المنخفض، يسكن الافارقة في هذه القرية ضمن امكانيات بسيطة وينقسم كل منزل إلى نصفين الاول منزل دائري الشكل مسقوف بالصفيح ويحتوي على الادوات المنزلية التقليدية والتراثية، وآخر مستطيل الشكل وهو معاصر اضافة الى منزل للأولاد يمكثون به للحراسة وحول البيت حديقة، وعلى سقف كل منزل إطار سيارة مطاطي لحماية البيوت من البرق.

تقاليد الزواج في قبيلة "الزولو"

في "وادي التلال الألف" يختلف عدد البيوت بحسب عدد الزوجات، فيستطيع رجل "الزولو" الزواج من عدد لا محدود من النساء طالما لديه القدرة المادية على الزواج.

ويتعرف الرجل بالمرأة من خلال مقابلتها في الطريق او أثناء احضارها المياه من البحيرة حيث يطلب منها ان يصبح شريكها وتقدم الفتاة قلادة للشاب في حال موافقتها، ثم يذهب الى عرافة تخبره اكثر عن الفتاة ومن ثم  يقدم الشاب 11 بقرة مهرا كحد ادنى الى أهلها.

يحتفلون بالزفاف ثلاثة أيام من ليل الجمعة وحتى ليل الأحد ويقدم في الحفل الطعام ويتميز الحفل بالرقص، ومن عادات الزولو أن كل فرد من القرية او خارجها يستطيع حضور الزفاف حتى ولم يكن من المدعوين.

ترتدي العروس ثوبا ملونا وتتميز عن باقي الفتيات بارتداء قبعة ملونة لتدل على أنها أصبحت متزوجة ويرتدي العريس على صدره قطعة من جلد النمر وما يشبه التنورة ايضا من جلد الحيوانات.

معايير الجمال والقوة

يقول المرشد السياحي وهو أحد أفراد قبائل الزولو، إن من معايير جمال المرأة أن تكون سمينة لاسباب تتعلق بالخصوبة وقدرتها على انجاب عدد اكبر من الاطفال، أما الرجل فأحد معايير قوته هو اتقانه للرقص الافريقي والغناء بجرأة.

وتختلف العادات والتقاليد باختلاف المنطقة وخاصة في دولة تتحدث 11 لغة مثل جنوب افريقيا، يؤمن المنتمي الى "الزولو"  بتقليد قطع نصف الاصبع الخنصر او احداث ندوب في الوجه من أجل ابعاد المشاكل عن حياته الحالية وفي المستقبل.

وفي كل مناسبة تحدث لطفل الزولو مثل عيد ميلاد او توليه عمل تقوم العائلة بإلباسه اسورة من جلد الحيوان وتخيطها بحيث لا تنزع الا من تلقاء نفسها.

ويؤمن بعض اهالي "وادي ثاوزند هيلز" بالمسيحية وبعضهم يؤمنون بجزء من المسيحية إضافة الى تقاليدهم على الرغم من تعارض بعضها مع المسيحية مثل تعدد الزوجات، واخرين لا يؤمنون الا بالاجداد وتقاليد الزولو.

أكثر ما يلفت الانتباه في ديربان وخصوصا في وادي التلال الالف هو ترحاب اهالي القرية بالسياح اضافة الى نظافة القرية رغم بدائيتها.

الصور النمطية

تقول الصحفية كارابو ان الصورة النمطية لدولة جنوب افريقيا تتمثل في تصور السياح ان معظمنا مريض بالايدز، واننا لا زلنا نعيش حياة بدائية فقيرة وشوارعنا تنتشر فيها الحيوانات وننام بها بلا مأوى. "والبعض الاخر لا يعرف شيئا عنا سوى نيلسون مانديلا وسياسة الفصل العنصري الذي عانينا منه ولا يعرفون شيئا عن ثقافتنا".

"نحن جميعنا فلسطينيون"

جمع مؤتمر الصحافة العالمي ما يقارب 700 صحفي وصحفية من جميع أنحاء العالم، من بينها أميركا ودول أوروبية واسيوية ولاتينية كبيرة، إلا ان فلسطين كانت حاضرة وبقوة في المؤتمر.

"نحن جميعنا فلسطينيون" هذا ما قاله أحد الصحفيين عندما علم أن وفدا من الصحفيين قدم من فلسطين لحضور المؤتمر.

وما يميز دولة جنوب افريقيا عن باقي الدول أنهم لا يعرفون فلسطين فقط بالاسم أو أنها دولة تقع في الشرق الاوسط، بل تفاجأنا بكم المعلومات التي يعرفونها عن فلسطين والاحتلال.

وحدة معاناة الشعبين الافريقي والفلسطيني من نظام الفصل العنصري، هي ما عزز حبهم لفلسطين والقضية ورغبتهم في المعرفة أكثر عما يعانيه الفلسطينيون في ظل نظام احتلالي عنصري.

في داخل المبنى الذي عقد فيه المؤتمر، عرض على حائط مجموعة من صور الشخصيات والقادة اصحاب التأثير حول العالم وكان من ضمنها صورة للرئيس الراحل ياسر عرفات، وكما تُعرف جنوب افريقيا بنيلسون مانديلا، تُعرف فلسطين بياسر عرفات، وكان اسم عرفات يلازم اسم فلسطين في كل مرة يسألوننا فيها عن دولتنا.

وما كان مثيرا للدهشة هو معرفة أهالي القرى الافريقية "الزولو" أيضا بعرفات وترديدهم اسمه أثناء حديثنا معهم على الرغم من انعزالهم بشكل او بآخر.

ويوضح البروفيسور في الصحافة دوميساني مويو ان دولة جنوب افريقيا وغيرها من الدول الافريقية تستطيع ان تقول لك من هو عرفات، كان ايقونة لانه تنقل بالمنطقة ولذلك لقي تعاطفا وتأييدا من معظم الدول الافريقية، ولعبت العلاقات السياسية بين الدولتين دورا في تعريف مواطني جنوب افريقيا بمعاناة فلسطين.

وأضاف مويو ان الشعب الفلسطيني يعاني المعاناة ذاتها التي واجهتهم في جنوب افريقيا، وهذا خلق حالة تضامن بين البلدين.

تقول الصحفية "كارابو" التي تعمل في مؤسسة لدعم التحقيقات الصحفية، "المعاناة المشتركة توحد الشعوب، ما عانيناه في سنوات الفصل العنصري ما زلتم تعانون منه انتم حتى اللحظة". وتضيف "يحاول الاعلام في جنوب افريقيا تسليط الضوء على المعاناة الفلسطينية وان كان هناك تقصير في بعض الاحيان نتيجة للمشاكل التي تعاني منها دولتنا، ولكن نحن نرى أن الاعلام هي الوسيلة الاقوى في ايصال صوت الشعوب".

جنوب افريقيا بيت الصحافة الحرة

لعبت الصحافة دورا مهما في تحرير دولة جنوب افريقيا من الفصل العنصري، فقوة الصحافة جاءت من دعم الشعب لها وفاعلية مؤسسات حقوق الانسان ويقول البروفيسور مويو "هناك عدة عوامل تساهم في حرية الصحافة فدولة جنوب افريقيا لديها مؤسسات ديمقراطية فاعلة ومنظمات مجتمع مدني قوية كما ان هناك حركة معارضة قوية، وهذه العوامل تقوم بدور رقابي على الحكومة، كما ان الصحافة في جنوب افريقيا تعمل في بيئة تسمح بالتعدد وتتيح الفرصة للتعبير".

وتشير كارابو الى وجود صحافة مؤثرة تتناسب مع تطلعات الشعب في تحقيق العدالة وكشف الفساد في المجتمع.

وتضيف: "نحن لدينا صحافة نقدية رغم سيطرة رجال الاعمال ورؤوس الاموال في الدولة على مختلف القطاعات وخاصة الصحافة ما يحد من دورها".

واخيرا تؤكد كارابو ان الصحفيين يسعون لتكون الصحافة حرة والمعارضة ليست من اجل المعارضة فقط بل من اجل التغيير وإحداث تأثير لمصلحة المواطن.

أما وزيرة الشؤون الخارجية لدولة جنوب افريقيا مايتي نكوانا ماشاباني فقالت إن بلادها هي بيت للصحافة الحرة واكدت على حاجتهم الى صحفيين حقيقيين وعلى قدر من المسؤولية يناضلون من أجل الحصول على الحقيقة.