الانقسام لن يزول بصحوة ضمير

علامات على الطريق - يحيى رباح

يوم الأربعاء الماضي، الرابع عشر من حزيران، أكمل الانقسام عشر سنوات من عمره، وتأكد للجميع، خاصة ذوي النوايا الطبية، والنظريات المسطحة، أن هذا الانقسام الأسود الذي نفذته حماس بعد انقلاب مسلح دموي، ارتكبت فيه أفعالا وجرائم وخطايا تقشعر لها الابدان، لم يكن صدفة، ولم يكن وليد انفعال طارئ، ولا تطور غير متوقع للأحداث، بل كان نتيجة تراكم طويل الأمد على يد صانعيه الأصليين وهم الإسرائيليون، فكروا فيه منذ زمن قديم، منذ العام 1985، وبعد سنتين تم الإعلان عن انشاء حماس لتكون حاضنته، ومر بمراحل متعددة جاءت على هيئة عناوين، مثل عجزنا جميعا عن احتواء حماس في واحدة من ابداعات النضال الشعبي الفلسطيني وهي الانتفاضة الأولى التي انطلقت في أواخر عام 1957، وكان دور حماس في ذلك الزمن الانفلات خارج السرب، وخارج المسار والمصير، وخارج منظمة التحرير، وخارج القيادة الموحدة للانتفاضة، وخارج أي لحظة من لحظات الاجماع الوطني.
ثم تواصلت هذه التطورات عندما تم انشاء السلطة الوطنية، وأبرز حدث كان هو أحداث جامع فلسطين في مدينة غزة، حيث تم الصرف ضد الرمز الفلسطيني الأعلى ياسر عرفات بسلوك شاذ وغريب ومبرمج مسبقا، وكان يمكن أن يتوسع، لولا أن ميزان القوى لم يكن يسمح، ولولا البطولة الفردية الخارقة لرجل من اصلاب فتح وهو موسى عرفات الذي تصرف بما يليق بضابط فتحاوي شريف أن يتصرف، علما ان موسى عرفات كان واحدا من ثلاثة من أوائل مؤسسي فتح في القطاع أولهم أبو معين القيشاوي وثانيهم محمد حسن الفرنجي أبو حسن وهو الشقيق الأكبر للأخ عبدالله الفرنجي، والثالث هو موسى عرفات الذي دفع الثمن فادحا من حياته بعد ذلك حين اقتحمت حماس عليه مقر إقامته بعد أن قاومهم عدة ساعات، وأطلقوا عليه النار في الشارع وقد رأى الناس تناثر دمائه على رمل الشارع قبيل أحداث الانقسام بقليل.
ثم جاءت الخطوة التي أقدم عليها شارون حين انسحب من قطاع غزة في خريف 2005 دون كلمة واحدة مع السلطة التي كانت قد عقدت اتفاقا شهيرا مع إسرائيل، هو اتفاق إعلان المبادئ "أوسلو"، ولكن أعداء الاتفاق من الاسرائيليين وعلى رأسهم شارون ونتنياهو كان لهم رأي آخر، وهذا الرأي الآخر نفذته حماس حرفيا، فخلال الانسحاب أحادي الجانب سلمتهم إسرائيل مفاتيح قطاع غزة كي يأخذوه رهينة، وهو الوضع المستمر طيلة عشر سنوات.
الانقسام الأسود الذي نفذته حماس، وتشبثت به، وترى نفسها من خلاله، هو النكبة الفلسطينية الثانية بعد نكبة عام 1948، وهو كفعل سياسي يتناقض بالمطلق مع كل ثوابت شعبنا، ومنطلقاته الأساسية ليس فقط عل الصعيد السياسي بل على الصعيد الوطني والأخلاقي والديني، فشعب تعرض للخطيئة الكبرى في عام 1948، حين طرد من وطنه، وبعثرت هويته، وتعرض للاحتلال الذي هو أحط فعل إنساني، تفرض عليه قضيته أن يكون ضد الانقسام مهما كان شكله ولونه، الانقسام على مستوى الوطن، أو على مستوى الشعب أو على مستوى القضية، ومن العار أن يجره أحد بالدعوة للانقسام مهما كان السبب، ولقد احتوت المنظمة كل الفلسطينيين بصفتهم فلسطينيين وبغض النظر عن انتمائاتهم السياسية والايدلوجية، ووحدتهم بقضيتهم العادلة، واعتراف بالعالم بهذه الوحدة، فكيف لفلسطيني أن يسير عكس التيار ويتبنى الانقسام الا إذا كان أشد عداوة لشعبه من الإسرائيليين أنفسهم ؟؟
فظائع الانقسام وجرائمه، وبشاعاته يعرفها الفلسطينيون جميعا، ويعرفها الأشقاء العرب الذين حرض بعضهم لصالح هذا الانقسام لاستخدام ورقته القذرة، ولعل النار التي انكوى بها العرب والمسلمون جراء أفعال الاخوان المسلمين الذين وصفهم مؤسسهم حسن البنا بأدق وصف لهم "ليسوا إخوانا وليسوا المسلمين" تكشف عن اجماع جديد يتوجهون إليه، يكون برنامجه محاربة هذه الجماعة حتى الإبادة الكاملة هي الأمل الذي يرتجى، اما الاعتقاد بأن حماس ستتخلى عن الانقسام من خلال صحوة ضمير، فهذا مستحيل، وهو كلام يضاف إلى سلسلة الأوهام التي تجرعناها طيلة العشر السنوات الماضية.
YHYA_RABAHPRESS@YAHOO.COM