الرئيس ترامب: هزيمة الإرهاب تبدأ من هنا .. من فلسطين

أنور رجب

ضمن فعاليات القمة العربية الإسلامية – الأميركية، التي عقدت في الرياض الأحد 21 ايار، والتي  وضعت على رأس أولوياتها مسألة مكافحة الارهاب والتطرف، تحدث كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني الملك عبد الله بن الحسين، وكانت قضية الإرهاب وسبل مواجهته والقضاء عليه في صميم خطابيهما، وفي هذا السياق اعتبر الرئيس السيسي أن عدم حل القضية الفلسطينية هو من اكبر أسباب بقاء الإرهاب في المجتمعات العربية والإسلامية، وأن حل هذه القضية سينهي الكثير من أسباب الإرهاب وانتشاره، فيما أكد الملك عبد الله أن حل القضية الفلسطينية هو مفتاح مكافحة الإرهاب، وأن إيجاد تسوية لهذا الصراع أمر غاية في الأهمية من أجل إنهاء مرحلة طويلة من العنف، في الوقت الذي أكد فيه على أهمية الحفاظ على هوية القدس.

ما جاء في الخطابين يمثل رؤية الزعيمين حول المسار الواجب اتباعه للنجاح في مواجهة الإرهاب والقضاء عليه، والذي يتضمن حل القضية الفلسطينية باعتبارها الخطوة الأولى والمدخل النموذجي لهزيمة الإرهاب والتطرف، ومن العقلانية القول إن هذه الرؤية لم تصدر عنهما انطلاقاً من الانتماء العروبي الإسلامي فقط، وإنما ناتجة عن إدراك وقراءة معمقة وموضوعية للعلاقة بين استمرار الإرهاب واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وفي مقدمتها القدس الشريف بما لها من هالة وقدسية دينية لدى المسلمين في شتى بقاع الأرض، وهي نتاج خبرة وتجربة تراكمت على مدار عشرات السنين في مكافحة الإرهاب والتطرف ومحاصرة أسبابه ومقوماته، فقد كانت مصر من أوائل الدول التي عانت من هجمات الجماعات الإرهابية، وما زالت حتى الآن تدفع ثمن مواجهة الإرهاب من دماء أبنائها ومن فاتورة التنمية والتطوير، أما المملكة الأردنية فالإرهاب يتربصها ويحاصرها ويسعى للتغلغل داخل كياناتها، ويطل برأسه بين الحين والآخر بهدف النيل من استقرارها وأمن مواطنيها. كما أن أهمية هذه الرؤية أنها تصدر عن زعيمين، بلداهما يرتبطان باتفاقية سلام مع إسرائيل، وليسا في حالة عدائية معها، وعلى تماس مباشر ودائم بالقضية الفلسطينية بكل تفاصيلها، ولطالما كان لهما دور بارز ومهم في العمل على إرساء دعائم السلام في المنطقة، والسعي الجاد لتقريب وجهات النظر بين الفلسطينيين والإسرائيليين أملاً بالوصول لتسوية تنهي الصراع وتحقق السلام والأمن للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

إن الجماعات الإرهابية ومنذ ولادتها منتصف الستينيات من القرن الماضي، استثمرت القضية الفلسطينية، وما يعانيه الشعب الفلسطيني بفعل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ووظفتها في خدمة خطابها وأدبياتها الفكرية بهدف التحشيد لرؤيتها الدينية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكسب تعاطف وتأييد الشعوب العربية والإسلامية، واستقطاب مزيد من المقاتلين والمناصرين، وهذا ما نجده في أدبيات هذه الجماعات من القاعدة إلى داعش وقبلهما جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر، ولا تخلو خطابات قادتها ورموزها من الحديث عن القضية الفلسطينية وتحرير المسجد الأقصى "أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين"، ولطالما ارتكبت هذه الجماعات بجميع مسمياتها أفعالها الإرهابية ليس باسم الإسلام فقط وإنما باسم فلسطين أيضاً، ولطالما ردد قادة هذه الجماعات منذ الحرب في أفغانستان فترة الثمانينيات من القرن الماضي عبارة "نقاتل في أفغانستان وعيوننا إلى القدس"، ورددها أبو مصعب الزرقاوي من العراق قائلاً "نقاتل في العراق وعيوننا إلى بيت المقدس"، ولم يجد أبو بكر البغدادي سوى فلسطين ليستعين بها في خطابه لتحشيد المسلمين عندما بدأ التحالف ضرباته الجوية على معاقل داعش في العراق وسوريا.

كما أن قراءة متأنية ومعمقة لخطابات أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري وغيرهما من قادة الجماعات الإرهابية ومنظريها، وبعضها كان ضمن الوثائق التي  سيطرت عليها القوة الأمريكية التي تمكنت من قتل بن لادن، إذ تشير هذه الوثائق بوضوح كيف تستثمر هذه الجماعات القضية الفلسطينية بشكل ممنهج ومبرمج، وتوظفها في خدمة خطابها الإعلامي والديني للتأثير على الشباب المسلم وتحويلهم لوقود لمشاريعهم الشيطانية. وفي هذا السياق لابد من التذكير أن الركون والاطمئنان لعدم قيام هذه الجماعات "الجماعات الإرهابية العابرة للحدود" بأي فعل إرهابي ضد إسرائيل، واعتبارها بمنأى عن خطرها، وفي مأمن من ضرباتها، أمر يجانبه الصواب، فان كانت هذه الجماعات لم تستهدف إسرائيل فقد استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلدان الغربية تحت يافطة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والقدس، وان انشغالها عن إسرائيل هو مسألة وقت ومرتبط بظروف موضوعية وذاتية تخص هذه الجماعات، فالذئاب المنفردة التي تحمل الإرهاب فكراً وتستعد له ممارسة تحمل في عقيدتها الدينية أن إسرائيل هي العدو الأول للمسلمين.

ولان الإرهاب لا دين ولا وطن له، فان ممارسات الجماعات الإرهابية ذات المرجعية الدينية تعمل على تغذية التطرف لدى بعضها البعض، بان تقدم كل واحدة للأخرى مسوغات تطرفها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فان الإرهاب الذي تمارسه بعض المجموعات اليهودية المتطرفة من المستوطنين ضد الفلسطينيين يزود الجماعات الإسلامية المتطرفة بمادة دعائية وتحريضية تستثمرها في الترويج لفعلها الإرهابي ضد الديانات الأخرى، وفي هذا المقام نستذكر حادثة حرق الطفل محمد أبو خضير حياً، وكذلك حرق عائلة دوابشة وهم نيام، وفي هذا لا نجد فرقاً عن عنف وتوحش داعش وإقدامها على قتل مخالفيها بطرق غاية في الوحشية بما فيها حرقهم أحياء.

وبمناسبة زيارة الرئيس دونالد ترامب لفلسطين، ولان إستراتيجيته التي أعلن عنها تضمنت موقفاً حازماً وحاسماً ضد الإرهاب بكافة أشكاله وأنواعه، "مما يعني إنهاء سنوات من التردد والإرباك الذي كان السمة الأبرز للإدارة الأمريكية السابقة في تعاطيها مع مسألة الإرهاب والتطرف"، ولان القضاء على الإرهاب والتطرف يقتضي معالجة الأسباب والمقومات التي تعمل على إيجاد بيئة ومناخات مناسبة لنموه وانتشاره، وتعمل على تغذيته وإعادة إنتاجه بين فترة وأخرى "بالرغم من استمرار الحرب على الإرهاب منذ نهاية الألفية الثانية وحتى الآن"، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وهذا يستوجب كما الإرهاب موقفاً حازماً وحاسماً لإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية يضمن للفلسطينيين إقامة دولتهم المستقلة القابلة للحياة والعيش بحرية وكرامة كباقي شعوب العالم المتحضر، الأمر الذي يعني قطع الشريان الرئيسي الذي تتغذى عليه الجماعات الإسلامية المتطرفة، وتستمد منه مقومات البقاء والحياة والتوالد، وهو بمثابة الخطوة الأولى الأكثر نجاعة في التأسيس لاستراتيجية حقيقية وفاعلة وقابلة للنجاح في القضاء على الإرهاب واقتلاعه من جذوره كما جاء في رؤية الرئيس السيسي والملك عبد الله، فهل يفعلها الرئيس دونالد ترامب، وينجح فيما فشل فيه جميع الرؤساء الأميركيين السابقين؟