الأزمة المالية تضع الجامعات العامة أمام خيارات صعبة

تحذيرات من "تسليع التعليم" ليصبح من خدمة واجبة الى سلعة للقادر على شرائها

720 مليون دولار إجمالي نفقات الحكومة على  التعليم خلال العام 2016

رام الله-حياة وسوق- أعدت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان(ديوان المظالم)، تقريرا حول واقع الأزمة المالية التي تعيشها بعض الجامعات، خصوصا مع ازدياد التنافس فيما بينها على العدد الآخذ بالانخفاض من الطلبة الراغبين بإكمال تعليمهم العالي في المسار الأكاديمي. وينشر "حياة وسوق" ملخصا عن التقرير الذي قالت الهيئة إنه يهدف إلى الوقوف على أسباب الأزمة المالية في الجامعات العامة، واقتراح آليات وسياسات تساهم بالتخفيف من حدة هذه الأزمة إلى أقصى حدٍ ممكن، وذلك منعا من وصولها إلى درجة تضع إدارات الجامعات العامة أمام خيارات صعبة، قد تعكس نفسها على جودة التعليم ومخرجاته، وقد تؤدي إلى تسليع التعليم، ونقله من خدمة واجبة على الدولة باعتبارها حقا من حقوق الإنسان إلى مجرد سلعة متاحة للقادر على شرائها مما يتنافى مع الالتزامات التي ترتبت على دولة فلسطين بعد انضمامها إلى مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والتي تحتم عليها كفالة الحق في التعليم وإتاحته للجميع.

ولخص التقرير الأسباب الرئيسة للأزمة المالية في الجامعات العامة "في سوء الوضع الاقتصادي بشكل عام، وفي تراكم العجز المالي في موازناتها، وقلة المخصصات المالية التي تقدمها الحكومة لهذه الجامعات وعدم انتظامها، وضعف و/أو غياب دور القطاع الخاص، وعدم كفاية العائد من الأقساط الجامعية، وقلة الدعم المالي الخارجي المباشر، والارتفاع المستمر في التكاليف التشغيلية والتعليمية، في ظل شُح و/او عدم وجود استثمارات وعوائد مادية ذاتية للجامعات/ وهو ما  ينعكس استمرارا في الأزمة المالية في الجامعات العامة بشكل سلبي على إعمال الحق في التعليم بسماته الأساسية، وهي الحفاظ على مبدأ التوافر وإمكانية الالتحاق وإمكانية القبول وقابلية التكيف".

وشددت الهيئة المستقلة في تقريرها على أن القانون الأساس الفلسطيني المعدل لسنة 2003،  كفل "حق كل مواطن في التعليم الالزامي حتى نهاية المرحلة الأساسية على الأقل، ومجانيته في المدارس والمعاهد والمؤسسات العامة". فيما قيد قانون رقم (11) لسنة 1998 بشأن التعليم العالي هذا الحق ولم يدعه على إطلاقه، واشترط توفر شروط علمية وموضوعية لممارسة هذا الحق.

يُصنف القانون رقم (11) لسنة 1998 بشأن التعليم العالي، الجامعات الفلسطينية إلى ثلاث فئات هي جامعات حكومية، وجامعات خاصة، وجامعات عامة. ويبلغ عدد الجامعات العامة تسع جامعات؛ منها جامعتان في قطاع غزة، وست جامعات في الضفة الغربية، وجامعة واحدة تعمل ضمن نظام التعليم المفتوح وهي جامعة القدس المفتوحة.

وتشكل نسبة الطلبة الملتحقين في هذه الجامعات (العامة) قرابة 78% من مجموع طلبة الجامعات الفلسطينية، وتخضع الجامعات الحكومية، والجامعات الخاصة لآليات تمويل ولأنظمة ايرادات ونفقات مختلفة عما هي عليه في الجامعات العامة، التي لا تتلقى تمويلها من الايرادات العامة للحكومة الفلسطينية، ولا تخضع لنفس الأنظمة التنفيذية التي يخضع لها هذان النوعان من الجامعات.

وفي البعد التاريخي، لم يكن هناك سياسة تمويل واضحة، ولم يكن لديها أحمال إدارية ومصاريف تشغيلية كبيرة كما هو عليه الحال في بعضها حاليا، ولعبت منظمة التحرير الفلسطينية دورا بارزا في دعم تمويل الجامعات الفلسطينية بطريقة مباشـرة وغيـر مباشرة، تراوحت المبالغ التي قدمتها المنظمة ما بين (5-15) مليـون دولار سـنويا فـي فتـرة الثمانينات من القرن الماضي، كانت تغطي ما يقارب 50% من مصروفات هذه الجامعات في حينـه.

وإثر قيام الانتفاضة الفلسطينية في كانون الأول من عام 1987- يتابع التقرير- بدأت الأزمة المالية في الجامعات الفلسطينية بالظهور، تلا ذلك أن تعرضت منظمة التحرير الفلسطينية لأزمة مالية بسبب حرب الخليج الثانية عام 1990، وانخفض تبعا لذلك دعمها للجامعات، وكنتيجة لانخفاض هذا الدعم اتخذت الجامعات الفلسطينية قرارا جماعيا، مع بداية تسعينيات القرن الماضي، بالبدء بتحديـد رسـوم جامعية على الطلبة، لتشكل هذه الرسوم مصدرا رئيـسا في ميزانياتها التي عانت عجزا تدخلت في حينه دول السوق الأوروبية المشتركة لسداده حفاظا على عدم انهيار قطاع التعليم العالي.

مع تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، وتسلمها لصلاحيات قطاع التعليم، صدر قانون رقم (11) لسنة 1998 بشأن التعليم العالي، الذي لم يتطرق إلى الالتزامات المالية المترتبة على الحكومة بشكل محدد وبنسب واضحة تجاه مؤسسات التعليم العالي وربط تمويل الجامعات العامة بمدى توفر الإمكانيات المادية للحكومة.

وجاء في تقرير الهيئة المستقلة: منذ العام 2002، قامت الحكومة الفلسطينية بتخصيص مبلغ 20 مليون دولار ضمن موازنها السنوية لدعم ميزانية الجامعات العامة سنويا، يتم توزيعها وفقا للآلية التي يقرها مجلس التعليم العالي، غير أن وزارة المالية لم تفِ بالتزاماتها بشكل كامل بسبب الأزمات المالية التي بدأت تواجـه الـسلطة مـع انـدلاع الانتفاضة الثانية في نهاية أيلول من العام 2000، وتراوحت المساعدات الفعلية التي تدفعها السلطة ما بين (50– 75%) من المبالغ المخصـصة سـنويا. وبعـد الانتخابات التشريعية في العام 2006، توقفت مساعدات السلطة عن الوصول إلى الجامعات كنتيجة للأزمة التي شـملت كافـة مؤسساتها بتوقف الاحتلال عن تحويل الأموال وعائدات الضرائب المستحقة للسلطة، وتوقف المساعدات الأوروبية.

وأضاف التقرير الذي أعده الباحث طاهر المصري: رغم انتهاء الأزمة المالية للحكومة الفلسطينية، وعودة الاحتلال إلى تحويل الاموال وعائدات الضرائب إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، ورغم رفع المبلغ المخصص للجامعات العامة من 20 مليون دولار إلى 34 مليون دولار ومن ثم إلى 40 مليون دولار في الأعوام 2009 و2010، إلا أنه، وفي معظم الحالات، كان يتم صرف حوالي 60% فقط من المبلغ المخصص. وتناقصت نسبة الدعم الحكومي الفعلي للجامعات في الاعوام التي تلت العام 2010، إلى أقل من نسبة 60%، حيث حولت الحكومة للجامعات العامة الفلسطينية قرابة (8.2) مليون دولار عام 2013، وقرابة (8.6) مليون دولار عام 2014، وحولت حتى منتصف العام 2015 قرابة (1.7) مليون دولار، كما حولت في العام 2016 ما يقارب (4.5) مليون دولار فقط.

تتراوح الميزانية السنوية للجامعات العامة بشكل تقريبي ما بين (20) مليون دولار في أدناها و(70) مليون دولار في اعلاها، وتقدر نسبة العجر التقريبية في ميزانية الجامعات العامة ما بين (20-50%). وارتفعت أعداد الطلبة الملتحقين في الجامعات الفلسطينية من قرابة (28000) في العام 1994 إلى قرابة (190,000) طالب وطالبة للعام الدراسي 2015/2016، هذه الزيادة في أعداد الملتحقين، رافقها توسع في أعداد الكادرين الإداري والاكاديمي، وزيادة في النفقات التشغيلية، فيما لم يرافق هذا تطوير ملموس أو بحث مثمر عن زيادة أو تنويع في مصادر التمويل للجامعات.

وبخصوص مصادر تمويل الجامعات، أفاد التقرير بأن هناك عدة مصادر "فعدا عما تقدمه الحكومة الفلسطينية من منح غير منتظمة، فإن مصادر التمويل الأخرى يمكن إجمالها بما يلي: الرسوم والاقساط الجامعية التي تشكل ما نسبته (40%- 60%) تقريبا من ايرادات الجامعات، وتختلف هذه النسبة من جامعة إلى أخرى زيادة أو نقصانا". بالإضافة الى المنح والهبات: يشكل هذا النوع من التمويل مصدر دخل آخر للجامعات، ولكنه متقلب وغير ثابت، وعادة ما تكون المنح والهبات التي تقدمها جهات أو شخصيات محلية وعربية ودولية موجه نحو أنشطة أو مشاريع بعينها، ولا تستطيع الجامعات استخدام هذه المساعدات في تمويل نفقاتها الجارية بشكل آني، بل يمكن لها الاستفادة من عوائد بعض المشاريع مستقبلا. عائدات النشاطات والخدمات: وتتمثل في الايرادات التي تحصل عليها الجامعات مقابل تقديمها أو توفيرها لبعض الخدمات، مثل بدل الايجارات، وخصخصة بعض الخدمات، وتقديم الاستشارات والابحاث، ولكن تبقى المساهمة النسبية لهذا المصدر في تمويل الجامعات ضئيلة جدا".

وقال التقرير في ملخصه التنفيذي إن الأزمة المالية للجامعات "تحمل تأثيرا سلبيا على السمات الأساسية لعملية التعليم التي تم توضيحها في التعليق العام رقم (13) 1999 بشأن الحق في التعليم المتعلق بالمادة 13 للجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما يؤثر بشكل مباشر على الحق في التعليم. حيث تؤثر هذه الأزمة على مبدأ إمكانية التوافر الذي يفترض أن تعمل الدولة على توفير مؤسسات وبرامج تعليمية وبنية تحتية تشتمل على كل العناصر التي تحافظ على كرامة الإنسان وتدعم حقه في تعليم نوعي، بما في ذلك توفير مستوى معيشي لائق وتنافسي للعاملين في حقل التعليم. وعلى مبدأ إمكانية الالتحاق الذي يقضي أن يكون التعليم في متناول الجميع دون تمييز تبعا للكفاءة، متوفرا في بُعده المادي (الجغرافي) وفي بُعده الاقتصادي (القدرة المالية). وعلى مبدأ إمكانية القبول الذي يتطلب أن يكون جوهر وشكل التعليم مستجيبا لاحتياجات الطلبة، ويوفر مناهج دراسية ملائمة تراعي الجودة وتلبي احتياجات المجتمع. وعلى مبدأ قابلية التكيف الذي يرتكز على وجوب أن يكون التعليم مرنا، متكيفا مع احتياجات المجموعات المختلفة داخل المجتمع، ومستجيبا لاحتياجات الطلبة في محيطهم الاجتماعي والثقافي المتنوع".

موقف الحكومة ووزارة التعليم العالي

أما السياسات الحكومية تجاه التعليم العالي فتتلخص رؤية وزارة التربية والتعليم العالي في الوصول إلى تعليم عال متيسر ومتعدد ومتنوع ومستدام ومرن وخادم ورافد ومنافس ذي جودة ومتميز. وتحدد الوزارة رسالتها في ضمان توفير التعليم للجميع وتحسين نوعيته ومعاييره من أجل تلبية احتياجات المتعلمين للتكيف مع متطلبات العصر.

وتُجْمِل وزارة التربية والتعليم العالي استراتيجيتها في التعامل مع التعليم العالي في مواجهة الطلب المتزايد على التعليم العالي بكافة مستوياته، ورفع نسبة الالتحاق لشرائح من ذوي المستوى الاجتماعي– الاقتصادي المنخفض ومن ذوي الإعاقات؛ ومواءمة مخرجات التعليم العالي مع حاجات المجتمع الفلسطيني والسوق المحلي والإقليمي؛ والارتقاء بمستوى البحث العلمي ليصبح فاعلاً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ وتحسين النوعية وضبط الجودة، وضمان استمرارية التمويل اللازم لتغطية العجز في المصاريف التشغيلية والتطويرية والرأسمالية لمؤسسات التعليم العالي؛ وإصلاح وتطوير إدارة وحاكمية التعليم العالي على مستوى الوزارة والمؤسسات؛ والارتقاء بالتعليم المهني والتقني كماً ونوعاً.

ورأى الباحث طاهر المصري في تعليقه على رؤسة وزارة التربية والتعليم العالي أن "السياسات التي وضعتها الوزارة قد تكون صعبة التطبيق في ظل أن حجم ما تنفقه الحكومة من موازنتها السنوية على التعليم العالي يعتبر متواضعا جدا، عدا أنها لا تُخصص في موازنتها السنوية العامة نسبة محددة لدعم البحث العلمي. حيث بلغت حصة وزارة التربية والتعليم العالي من موازنة الحكومة الفلسطينية للعام 2016 قرابة 720 مليون دولار امريكي، أي ما نسبته (18.3%) من إجمالي النفقات العامة للموازنة، يذهب جلها (86.00%) كرواتب وأجور ونفقات تشغيلية، ويُخصص ما نسبته (1.8%) من موازنة الوزارة كنفقات تطويرية، مما يعني أن موازنة الحكومة لتطوير قطاع التعليم خلال العام 2016 لن تتعدى نسبتها الـــ(0.4%) في أحسن الأحوال".

وتشترك الدول العربية في اعتمادها على الدعم الحكومي في تمويل التعليم العالي، ولكن نسب الدعم تتفاوت من دولة إلى أخرى، وبالعموم تتكفل معظم الدول العربية بالجزء الأوفر من تمويل الجامعات الرسمية وتتيح مجانية التعليم العالي، فهناك دول لا تجبِ فيها الجامعات رسوم تسجيل أو تكتفي بمبالغ رمزية مثل مصر، السودان، سوريا، اليمن، الجزائر، تونس، المغرب. فيما تقوم دول أخرى بفرض رسوم دراسية على كل الطلاب مثل الأردن، لبنان، فلسطين.

وتستند أنماط التمويل المعتمدة في الدول المتقدمة إلى تجربة قرون من الخبرة في تدبير الشأن المالي والشراكة الجامعية والبيئة الاقتصادية والسياسية المحيطة بها. وتتعدد مستويات تمويل التعليم والجهات المتداخلة من بلد إلى آخر وفقا للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي السائد. ومع أن الدول تتدخل في دعم المؤسسات الحكومية والخاصة فإن الاتجاه السائد في هذه الدول هو تقاسم التكاليف بين الجهات الرسمية والجامعية وهيئات المجتمع مع تحميل الطالب جزءاً أو كل تكاليف تعليمه. وتمثل بعض المصادر التمويلية مثل "الوقف" إيرادا مهما لأغلب الجامعات العريقة.

ويورد التقرير، عِوضا عن الاستنتاجات والتوصيات، ملامح استراتيجية وطنية توازن بين الحق في التعليم والاستدامة المالية للجامعات العامة، تشترك بها ثلاثة عناصر هي الحكومة، والجامعات، والقطاع الخاص.