"أم الزينات" تكحّل عيني الثمانينية بهية صبح

طوباس- الحياة الجديدة- خصصت وزارة الإعلام، الحلقة الـ57 من سلسلة "ذاكرة لا تصدأ"، لتتبع شوق اللاجئة الثمانينية بهية مصطفى صبح، لقريتها أم الزينات، التي تقع على بعد 20 كيلومترا جنوب شرق مدينة حيفا.

وعادت الشاهدة، التي ولدت في العام 1933، بذاكرتها إلى أم الزينات، واستردت شريط ذكريات عتيق شمل أراضيها وينابيعها، فعددت: بئر الهرامس، وظهرة البيدر، والنتاشة، والبويضة، والشّقاقة، وجرماشة، وذراع نجم، وكيري، والبطيحة، والموحلة، ووادي الصرار، والبطيحة، وأسماء عديدة.

وقالت: كان بيتنا من 8 قناطر، سكنّا فيه مع أعمامي الثلاثة وجدي، وكنا نجلس 26 نفرًا على صحن واحد، ونأكل من محصول أرضنا، ونذهب إلى حيفا لبيع الخضراوات، وزرعنا البطيخ والشمام، والفجل والملوخية، والذرة البيضاء والقرع بلونين (الأصفر والأبيض)، والقمح والشعير، والكرسّنة والعدس.

 

كراديش

تقول صبح: صنعنا خبر الذرة (الكراديش)، فكان الرجال يقطفون أكوازه ويضعونها في الأوعية التي نحملها على رؤوسنا، ونقشرها، ونضعها على البيدر لدرسها بلوح خشبي مرصع بالحجارة، ثم نعجنها، ونشكل دوائر، ونخبزها على النار، ونأكلها ساخنة؛ لأنها إن بردت يختلف شكلها وطعهما، ويسهل تلفها.

واستعرضت صبح مهن بلدتها القريبة من حيفا، فروت: كان عندنا أساتذة ينقسمون في مدرستين، أذكر منهم أحمد الكم من بلعا، وأبو حسن، الذي كان يحضر بناته الأربع للصف ليتعلمن، لعدم وجود مدارس للإناث، ويجلسهن في المقاعد الأخيرة، وحين نراهن نضحك عليه لاصطحاب بناته، وأبو عبد الله من كفر قدوم، وخالد الفحماوي من بلدنا، وكان المعلمون يلبسون البدلة الرسمية والجرافة والحطة والعقال.

تضيف: كان في حارتنا تجار مثل حمزة الشيخ يوسف، وأبو يوسف الأشقر، وكنا نشتري العجوة بالزنبيل (وعاء يتسع 13 صاعاً)، وحلوى بيض الحمام (الملبس المحشو باللوز)، والدبس، أما الخروب فكنا نصنعه في البيت، ولم يكن الأرز منتشراً كثيراً، وكان السكر يباع بالجلن، والزيت بجرار الفخار.

 

مهن

تتابع الثمانينية: أذكر النجار محمد الصبّان، الذي كان يصنع أبواب الخشب، والمحاريث، وكان الحداد من عائلة بشير، ويحسم سكة المحراث (يجعلها حادة.(

أما اللحامون (الجزارون) فمنهم أبو عباس، وحسين عرسان أبو خليل، وأحمد الدبور الفحماوي، وحسين الدبور، وكانوا يذبحون الخراف والعجول. ولا أنسى جميلة الملاحية التي كانت تولّد الناس (قابلة)، وتشد (تصنع) اللحف، وتخيّط الملابس. وكان أبو أحمد من أم الشوف يحضر للبلد ليصنع مساند القش (وسائد ثقيلة)، والشيخ عبد الله من كفر قدوم إمام المسجد والمؤذن ويغسل الموتى ويكفنهم. وأذكر الحلاقين: أبو علي الشيخ يوسف، وأحمد الدبور والفحماوي، والإسكافي حنا المسيحي. وكان في الريحانية المجاورة لنا، وبلد زوجي، محلب يجمع الحليب من الأهالي لتاجر يهودي. وفي حواسة عمل محمد العيسى وإخوته توفيق وحسن في المسلخ. أما زوجي فارس عبد الفتاح فعمل في شركة الاسمنت، ومصنع (كرمان للدخان) والفينري (مصفاة البترول) وسكة الحديد.

ووفق الراوية، فإن عائلات قريتها انقسمت إلى: الشيخ يوسف (الشخاسفة كما تقول)، وبشير، وخلايلة، وصبح، وفحماوي، وأبو خليل. أما المخاتير فأسعد مصطفى فحماوي، والشيخ يوسف.

تقول بهية: اعتاد أهل بلدنا في رمضان الطبخ على السحور، فنذهب لإعداد الخبز، ونجهز السميدة البيضاء، والشعيرية، ونجلس على المائدة، بعد سماع صوت المسحراتي الناطور.

 

عيد

تتابع: كانت النساء يخصّصن صباح العيد لطبخ البرغل، ويصنعن الكعك قبل العيد بأيام، أما الصبايا في جيلنا فتُحضر كل واحدة حبلاً، ونذهب إلى حقول القرية لربطها في أشجار الزيتون الكبيرة، ونتنافس على تجميع العيدية، وأذكر أنني كنت أحصل على جنيه ونصف من أقربائي.

 

اقتلاع

كانت الراوية تجمع محصول الشعير من منطقة الصفصافة هي ووالدها، وفي الليلية الثالثة من العمل، وقت نقل المحصول إلى البيدر، جاء الجار محمود المفلح ليخبر والدها بأن البلد سقطت، ثم انطلقت أصوات الرصاص، وتجمع معظم الأهالي في حي المراح، وانتقلوا بعدها إلى بئر الناطف، وسمعت كيف خلع اليهود نافذة ببت عمي، وألقوا قنبلة داخله، فأصيبت جميلة ابنة عمي في يدها، وجارتنا صفية الخليل، وأخي الرضيع يوسف في ظهره، وقتلوا عاهد الشيخ يوسف وهو نائم وقطعوا رأسه، وأبو أحمد الكم، وقتلوا عبد الغني الشوشاري ووضعوه في حفرة باب منزل جاره، وأحضروا الحلوى من دكان والده هويدي، ورشوها عليه، ودفنوه بها.

تقول صبح: هربنا نحو إجزم ( 28 كم) جنوب حيفا، وحملنا والدي أنا وأخوتي على جمل، وأمضينا فيها 3 أشهر، وشاهدنا القصف اليومي لها، فقد كان اليهود يطلقون القذائف من البحر، واستخدموا الطائرات، إلى أن سقطت، وسمعنا من خالتي جميلة، كيف قتلوا 12 من أقربائها في قرية الطنطورة، بعد أن احتموا بشبك الصيد.

تختتم: انطلقنا من إجزم نحو أم الفحم، ثم وصلنا عانين، وأمضينا فيها سنة، وانتقلنا إلى جنزور قرب جنين 8 أشهر، إلى أن غرقنا في الثلج والوحل، ووصلنا مخيم الفارعة، وعدت إلى أم الزينات 3 مرات، وقطفت من صبارها، وبحثت عن بيتنا، وأحنّ لأم الزينات دائمًا.

 

حياة

بدورها، أشارت منسقة الاتحاد العام للمرأة وعضو اللجنة الشعبية للخدمات ليلى سعيد، إلى أن إحياء ذكرى النكبة ينقل إلى الجيل الجديد الأمانة، ويصون حق العودة، ويعيد التعريف بالقرى المدمرة، ويبدد مقولة "الكبار يموتون، والصغار ينسون".

وبيّن منسق وزارة الإعلام في طوباس والأغوار الشمالية عبد الباسط خلف، أن سلسلة "ذاكرة لا تصدأ" انطلقت منذ خمس سنوات، ووثقت كل أشكال الحياة في القرى والمدن المُدمرة، مثلما أعادت رسم ملامح 20 من التجمعات الفلسطينية بأدق التفاصيل، وجمعت روايات 60 شاهدًا وشاهدة على النكبة.

وأضاف: لم تكتف السلسلة باستذكار لحظات الاقتلاع في أيار 1948، بل تعمقت في رصد مواسم الفرح والحزن، والتعليم، والزراعة، ورمضان، والحج، والأعياد، والشتاء، والزيتون، وغيرها.