نبض الحياة - هشاشة "الديمقراطية" الإسرائيلية

عمر حلمي الغول

في الكثير من المعالجات للسياسات الاسرائيلية، وردا على تغني حكومات وقيادات المؤسسات الأمنية والحزبية بـ "الديمقراطية" الإسرائيلية "الوحيدة" في إقليم الشرق الأوسط، وتسليط الضوء بالأمثلة الحية والملموسة على إفلاس وبؤس ما تتغنى به دولة التطهير العرقي الإسرائيلي، ليس فقط ارتباطا بالمقولة النظرية، التي تقول "إن شعبا ما يستعمر شعبا آخر، لا يمكن ان يكون ديمقراطيا". وإنما لأن الشواهد اليومية في ميادين الحياة المختلفة، ليس ضد ابناء الشعب الفلسطيني من حملة الجنسية الإسرائيلية، ولا لكونها قامت على انقاض نكبة الشعب الفلسطيني في عام 1948، ولا لأنها تستعمر الأرض الفلسطينية، بل لأنها دولة غارقة في مستنقع العنصرية فيما بين اليهود أنفسهم وفقا لجنسياتهم ومرجعياتهم الدينية وميولهم واتجاهاتهم الفكرية والسياسية، الأمر الذي يؤكد عدم وجود ديمقراطية في إسرائيل من أصله.

مثال جديد على تغول العنصرية، وانعدام الديمقراطية في المجتمع الاسرائيلي، المقالة، التي كتبها "يوسي كلاين" بعنوان "النخبة التقية لدينا"، ونشرها في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية يوم الخميس الماضي، وكشف فيها عن الخطر، الذي يمثله تيار المتدينين الصهاينة، عندما قال:" إن المتدينين القوميين خطيرون، أخطر من حزب الله، وأكثر من السائقين الدهاسين والبنات اللواتي يحملن مقصات. يمكن إحباط العرب، أما هم فلا. ما الذي يريدونه؟ السيطرة على الدولة وتنظيفها من العرب. إذا سألتهم فسوف ينكرون، انهم يعرفون انه لا يزال من المبكر أن يكونوا واضحين. لا تصدقوا نفيهم". وتابع كلاين:" انهم ينعتون أنفسهم باسم "الصهيونية الدينية"، يقطر منهم الزيت الصافي والسكر والعسل. هذا هو درعهم. برعايته يرتكبون أعمالا مشينة، فيما تنظر عيونهم للسماء. إنهم يركزون في عملهم، ولا يهمهم إلا السيطرة والطرد". للفلسطينيين العرب.

ويستطرد الكاتب الإسرائيلي اليهودي في كشف خواء ولصوصية ورخص اولئك "القوميين المتدينين" تجار الدين اليهودي لتحقيق مآربهم الاستعمارية، قائلا: "من السهل جدا شراء اصواتهم. امنحوهم الأراضي المصادرة وستحصلون عليهم. امنحوهم الميزانيات وستشترونهم. امنحوهم الترانسفير وسيكونون لكم إلى الأبد. إنهم يخلصون لمن يعطيهم. سيدعمون قوانين الاتصالات الصارمة، مجمعات غاز خنازيرية، محكمة عليا عاقر، إنهم يُرقصون رئيس الحكومة على إصبعهم الصغير، والوزراء كالدمى على الحبل". ويضيف "عندما يتم طردهم من أرض مسروقة (من الفلسطينيين العرب)، يتذكرون "الديمقراطية"، ويتمسكون بـ"حقوق الإنسان". بشكل عام يبولون عليهم (ذات مرة في الخفاء، واليوم من فوق منصة القفز) ".

هذه المقالة الجريئة أقامت الدنيا في اوساط النخبة الحاكمة والمعارضة الصهيونية على حد سواء ولم تقعدها. وكشفت ظهر "الديمقراطية" الإسرائيلية، التي ضاقت حتى لم تعد ترَى بالعين المجردة. فانبرى الرئيس الإسرائيلي، رؤبين ريفلين قائلا:" أقوال كلاين، هي افتراءات تكشف الكراهية العميقة، التي تقوض كل إمكانية للحوار او الانتقاد". عن اي كراهية يتحدث ريفلين؟ يوسي كلاين، هو يهودي وإسرائيلي، وليس فلسطينيا عربيا، فأين هي الكراهية؟ ولماذا يعلن كراهيته لأقرانه من الصهاينة إلا إذا شعر بفقدان الأمل بغياب الديمقراطية، واستمراء وتغول الكراهية والعنصرية تجاه الآخر اليهودي المختلف والفلسطيني صاحب الأرض المنهوبة والمصادرة، وبالتالي استشعاره غياب أي أفق نحو السلام.

اما نتنياهو، رئيس الحكومة، فطالب: "صحيفة "هآرتس" بالاعتذار اولا. وأضاف ان المقالة مخجلة وغريبة، معتبرا ان المتدينين "القوميين" في إسرائيل، هم "ملح الأرض"؟! عن اي ملح وأرض تتحدث ايها الصهيوني القبيح؟ واين هي حرية الرأي والتعبير في الدولة "الديمقراطية"، وواحة الشرق الأوسط "الغناء"؟؟؟!

وكان ليبرمان، وزير الجيش أكثر وضوحا في عكس رؤية البناء الفوقي الإسرائيلي والمؤسسة الحاكمة، عندما قال على صفحته في موقع الفيسبوك:" انا ادعو كل مواطن إسرائيلي لوقف شراء وقراءة صحيفة هآرتس فورا". وحدث ولا حرج عن باقي الجوقة من بينيت لشاكيد وريغف وهيرتسوغ ولبيد حتى بعض اعضاء حزب ميرتس، الذي يدعي بوقوفه على يسار الأحزاب الأخرى...إلخ الجميع اختنق من مساحة الرأي، التي أتيحت ليوسي كلاين في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية. بعد ذلك هل يمكن الاعتقاد بوجود ديمقراطية في إسرائيل المارقة والخارجة على القانون، الغارقة في وحول العنصرية والفاشية؟

تمكن كلاين من كشف بقايا المستور في المؤسسة الاستعمارية الإسرائيلية، وأماط اللثام كليا عن الوجه القبيح والبشع لدولة التطهير العرقي الإسرائيلية. شكرا يوسي كلاين، وشكرا لصحيفة "هآرتس" التي تتسع صفحاتها له ولجدعون ليفي وعميرة هس وغيرهم ممن يرفضون التغول الاستعماري، وصعود العنصرية المخيف في إسرائيل، وينادون بالسلام وخيار حل الدولتين على حدود 4 حزيران عام 67.

[email protected]