الجيل الشاب في العالم العربي والفراغ الفكري

المحامي د. ايهاب عمرو

لعل الإلهام وحده، كما أطلق عليه أحد أصدقائي القدامى، هو الدافع وراء الكتابة وتناول هذا الموضوع، كون أن الكتابة شوق وتوق إبتداء. إضافة إلى ما عايشته من مواقف تسنى لي من خلالها أن ألاحظ حجم الفراغ الفكري الموجود، مع الإحترام، لدى معظم الجيل الشاب في عالمنا العربي. ناهيك عن ما شاهدته من مواقف أقل ما يمكن وصفها بأنه المضحك المبكي لأشخاص في عالمنا العربي من الجيل الشاب أخذوا يتبوأون مناصب هامة على مستوى التشريع والتنفيذ والقضاء، منها على سبيل المثال لا الحصر إعتقاد خاطئ لنائب في أحد البرلمانات العربية حول حادثة إطلاق سراح أحد الأشخاص من السجن داخل بلده، وإعتقاد خاطئ أيضاً لناشطة إجتماعية بأن محاورتها التي كانت عضواً في البرلمان قامت بالتصويت لصالح منح الحكومة الثقة في حين أن تلك المحاورة المتمرسة لم تكن عضواً في دورة البرلمان التي أشارت إليها تلك الناشطة الإجتماعية، ما دفع محاورتها المتمرسة على مستوى السياسة أن تشير بشكل غير مباشر أنها من أولئك الناشطين والناشطات الذين "ينطنطون" على مواقع التواصل الإجتماعي.

إن تلك العثرات، إن جاز تسميتها كذلك، تنم عن مدى الفراغ الفكري الذي وصل له الجيل الشاب، ومرد ذلك حسب رأيي الشخصي المتواضع ضعف المنطلقات الفكرية لدى معظمهم، كون أن وسائل التواصل الإجتماعي، خصوصاً فيس بوك، أصبحت مرجعيتهم الفكرية التي يستمدون منها مصادر معلوماتهم دون إمكانية التحقق من صحة تلك المعلومات، إضافة إلى عدم صلاحية تلك الوسائل أن تشكل مصادر موثوقة يمكن الإعتماد عليها لتشكيل هوية فكرية لحاملها.

ولاحظت أثناء قيامي بالتدريس الجامعي حجم الفراغ الفكري الذي يعاني منه معظم الجيل الشاب على مستوى الثقافة العامة أو الخاصة ذات العلاقة بالتخصص. وتسنى لي كذلك أن أطلع بشكل مباشر على قيام الجيل الشاب بقضاء معظم وقته في إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي، خصوصاً فيس بوك، على حساب الإستزادة بالعلوم والمعارف بواسطة القراءة أو مشاهدة برامج التلفاز المفيدة، مع ما يحمله ذلك من خطورة كون أن وسائل التواصل الإجتماعي بشكل عام، وفيس بوك بشكل خاص، ليست لها أية هوية أو مرجعية فكرية يمكن الوثوق بها أو الإعتماد عليها كمصدر للمعلومات، كما أسلفنا.

ومن خلال إجراء مقارنة بين الجيل الشاب في الشرق ونظيره في الغرب نلاحظ أن هناك بون شاسع بينهما. فبينما يعمل الجيل الشاب الغربي كما لاحظت أثناء إقامتي السابقة في الغرب على الإستزادة بالعلوم والمعارف الضرورية حتى يكون قادراً على تكوين شخصيته المستقلة ومواجهة أعباء الحياة وتحمل أزماتها المفاجئة، نرى أن الجيل الشاب في الشرقي لا يولي إهتماماً لإكتساب العلوم والمعارف ما ساهم في إحداث حالة فراغ فكري أخذت إرهاصاتها ونتائجها تظهر بشكل ملموس ما جعل منه غير قادر على المنافسة أو مواجهة أعباء الحياة، خصوصاً المهنية منها. ويحضرني النموذج اليوناني كمثال عايشته عن قرب، إذ وبسبب الأزمة الإقتصادية العميقة التي هزت أركان الدولة اليونانية منذ العام 2009 وأملت عليها القيام ببرامج تقشف إقتصادي صعبة نشأ عنها مشاكل كثيرة أهمها البطالة، إضطر الكثيرون من الجيل الشاب اليوناني، الذين تربطني علاقات صداقة وطيدة مع بعضهم، إلى مغادرة اليونان نحو دول أوروبية أو غربية مجاورة أو بعيدة بحثاً عن فرص عمل فيها مثل ألمانيا وأميركا، وما كان ذلك ممكناً لولا المعارف والعلوم الهائلة التي تسلح بها الجيل الشاب اليوناني، ما مكنه من تجاوز آثار تلك الأزمة شديدة الوطأة وجعل منه قادراً على المنافسة على مستوى أوروبي وعالمي. كما أن بعض من أعرف منهم حصل على فرص للعمل في المؤسسات الأوروبية الرسمية وكذلك الدولية بسبب المؤهلات التي يحملونها والمعارف المختلفة التي تزودوا بها أوقاموا بإكتسابها أثناء الدراسة.

وثمة مثال آخر يحضرني هو ذلك الشاب النمساوي (سباستيان كورتس) الذي عين وزيراً للشئون الخارجية والهجرة وهو في سن السابعة والعشرين من عمره ما جعل منه أصغر وزير خارجية على مر التاريخ، وما كان لذلك أن يكون لولا المؤهلات والقدرات العلمية التي تمتع بها وأهلته لشغل ذلك المنصب، إضافة إلى الإعتبارات السياسة الأخرى. ولعل هذا مثال حي للشباب الأوروبي الذي لاقى الإهتمام الكافي وينتظر منه العالم النهوض بتلك القارة ذات الأهمية الإستراتيجية من اجل مستقبلها ومستقبل أبناءها، خصوصاً في ظل التحديات المتلاحقة التي تواجهها منذ سنوات والتي قد تؤثر سلباً على العالم أجمع، أهمها الأزمات المالية المتلاحقة، مشكلة اللاجئين، وخروج بريطانيا المتوقع من الإتحاد الأوروبي خلال الفترة القادمة، خصوصاً بعد تصويت غالبية الشعب البريطاني لصالح خيار الخروج من الإتحاد الأوروبي في الإستفتاء الذي أجري منتصف العام المنصرم.

من نافلة القول: لا بد من التنويه إلى أن الفراغ الفكري الموجود في العالم العربي لدى معظم الجيل الشاب لم يحول دون وجود نماذج فكرية راقية ومقدرة، وحقيقة كنت أدهش في بعض الأحيان من الملاءة الفكرية لبعضهم أثناء إجراء النقاشات العامة حول مواضيع فكرية مختلفة. غير أن تلك النماذج قليلة جداً ولا تكفي لإحداث تنمية إقتصادية وإجتماعية مستدامة، كون أن العالم العربي بما يعايشه من أوضاع صعبة يحتاج إلى كفاءات قادرة على مواكبة التطورات الحاصلة في مختلف الحقول والميادين ومواجهة التحديات الجسام التي تواجه المجتمعات العربية من أجل النهوض بها ورفعتها عبر تغيير واقعها نحو الأفضل وإستشراف مستقبلها.