غزة.. من مُصدّر للزهور إلى مُستورد

50 مليون زهرة كانت تصدر من القطاع سنوياً

غزّة- حياة وسوق- نادر القصير- "كلما أينعت وردة انظر إليها وأستشعر بأنها ستبث الأمل والبهجة لشخص ما في هذا العالم، وأنها ستكون سببا في فرحة أو ابتسامة ترسم على شفاه إنسان أرهقته متاعب الحياة".. بهذه الكلمات البسيطة عبر الحاج محروس مزارع الورد الستيني الذي فقد 13 فردا من أبنائه وأحفاده وزوجات أبنائه في الحرب الأخيرة على غزة.

لم ينكسر للحزن واخترق أسواره ليبث الأمل لغيره بزراعة الورود. يقول الحاج محروس: "نعم، لقد أفقدتني الحرب عددا كبيرا من عائلتي وفلذات كبدي وأسكن فقدانهم الحزن قلبي لكني لم أجد سوى رعاية الورود كي أتغلب على هذا الألم من حين لآخر".

وتعاني زراعة الورود في قطاع غزة كثيرا، في ظل الحصار الاحتلالي على القطاع منذ أكثر من عشر سنوات، كما ان تحكم الاحتلال في المعابر وإغلاقها أمام تصدير الزهور للخارج حد من مساحات زراعتها لدى المزارعين في غزة  الذين آثروا أن يبحثوا عن لقمة العيش بدلا من قضاء أوقاتهم بزراعة الورود مع كل تكاليفها، ومصيرها يكون بالنهاية طعاما للماشية.

زراعة تندثر

ويقول المزارع صيام، إن ما كان يطلق عليه في السابق "بترول غزة"، وكان يدر عشرات ملايين الدولارات يتراجع عاما بعد عام، والآن شبه مختفٍ.

ويشير صيام إلى أن الأراضي المزروعة بالورد في مدينة رفح تجاوزت مساحتها الـ 1000 دونم عام 2000، لكن هذه المساحة بدأت تنخفض عاما تلو الآخر حتى وصل العام الحالي إلى أقل من عدة دونمات فقط.

ويستذكر صيام فترة الذروة التي وصلت لها ورود غزة بحسرة شديدة حيث كانت تتمتع بـسمعة طيبة في كل القارة الأوروبية خاصة هولندا، ويصدر منها ملايين الزهور سنويا، لكن وقف الزراعة كان اضطراريا خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، مبينا أن تكلفة زراعة الدونم الواحد تتراوح بين 6- 15 ألف دولار، ويستغرق إنتاج الزهور ستة أشهر، كما أنها بحاجة إلى عناية فائقة، وأدوية ومياه عذبة، وهذا أمر مرهق ومكلف ماديا ومغامرة لا يحتملها المزارع وحده.

ويعزو صيام أسباب الانتكاسة التي أصابت قطاع الزهور إلى كلفة الزراعة العالية جدا، وعراقيل التصدير، مشيرا إلى أنه خلال فترة ازدهار زراعة الزهور بغزة كان التجار في أوروبا يتفقون مع المزارعين على التصدير، لكن في كل عام كانت تحدث مشكلة، إما تصعيد يغلق المعابر، أو أعياد يهودية يغلق خلالها معبر كرم أبو سالم في ذروة موسم التصدير، وأحيانا حجج وعراقيل احتلالية مجهولة الأسباب. ويؤكد أن هذا الأمر خلف حالة عدم وثوق بالمزارعين الفلسطينيين، فتوجه المستوردون لمصادر أخرى، ومزارعين في دول أخرى قادرين على الإيفاء بالطلبيات في موعدها، وهذا كان على حساب المزارع الفلسطيني.

وحسب صيام، كانت ملايين الزهور خلال الأعوام الماضية توضع كطعام للمواشي، وأخرى توزع مجانا، خاصة أن السوق المحلية لم تكن قادرة على استيعاب الإنتاج الكبير، المعد للتصدير.

من ناحيته يؤكد المزارع أكرم حجازي أحد مزارعي الزهور برفح، أنه استبدل زراعة الزهور في مساحة الأرض التي يملكها، إلى زراعة محاصيل أخرى قادرة على تحمل الظروف المناخية وشح المياه الذي يعاني منه القطاع.

وأوضح أن زراعة الزهور أصبحت عبئا على المزارع اقتصاديا، من حيث تعطل التصدير وفسادها على المعابر الإسرائيلية، وارتفاع أسعار الإنتاج الذي أدى إلى ارتفاع أسعار البيع، وخروج أزهار قطاع غزة من المنافسة دوليا.

ونوه إلى أن قطاع زراعة الزهور في غزة يحتاج إلى دعم محلي ودولي للنهوض به مجددا، والتخفيف من تكاليف الإنتاج على المزارعين وتشجيعهم على زراعتها، موضحا أن الفترة التي كانت فيها هولندا تدعم مزارعي الزهور بقطاع غزة وتستورده منهم شكلت فترة ذهبية حيث كانت حركة الإنتاج كبيرة جدا والأرباح عالية، لكن بعد توقفها، وما رافق ذلك من معيقات وإجراءات إسرائيلية على التصدير شكل بداية لانهيار هذا القطاع الزراعي المهم.

ومن أصناف الزهور التي تزرع في قطاع غزة "اللوندا"، و"الجوري"، و"القرنفل العادي"، و"القرنفل الأميركي"، و"الخرسيوت"، و"الألمنيوم"، و"لواندا"، و"الجربيرا"، وتباع جميعها في السوق المحلية.

وأشار أن مشكلة إغلاق المعابر تضر بالورود والتوت الأرضي، منوها الى أن الورد لا يتحمل الانتظار والشمس، ويجب أن يعبر مباشرة ويصل إلى مكانه، وبسبب تلف الكثير من الورود على المعابر أوقفنا التصدير.

وأضاف: دعمتنا مؤسسة هولندية لمدة 3 سنوات، لكن المعبر حال دون الاستمرار في هذا، حيث كانت تدعمنا بشتل وأدوية، وبسبب منع التصدير لم ينجح، كنا نصدر عبر كرم أبو سالم وكان التصدير سيئا جدا، وقبلها عبر بيت حانون وكان أسهل ومن ثم المطار وهولندا".

سوق محلية ضعيفة

وتابع "أنا كمزارع دخلي زراعي فقط، ومنع التصدير أثر علي كثيرا، وكان يعمل عندي 15 عاملا في زراعة الورد، أما الآن لا يوجد عامل وأقوم برعايتها وحدي لأنه لا يوجد دخل" مشيرا إلى أنه كان يقوم بصرف رواتب تبدأ بألف شيقل وتنتهي بـ 2200 شيقل للعمال المهرة، لكن تراجع زراعة الورود حول أولئك العمال الذين أتقنوا تلك الزراعة إلى عاطلين عن العمل.

من ناحيته أكد أبو عمر فوجو وهو أحد أولئك العمال المهرة في زراعة الورود أنه عمل في هذا القطاع لعدة سنوات وأتقن رعاية الزهور وكان يشعر بفرحة كبرى كلما نمت وترعرعت على يديه وأمام عينيه، بالإضافة إلى انه كان يتقاضى راتبا يوفر له حياة كريمة إلا أن تراجع هذا القطاع دفع عمال زراعة الورود إلى البحث عن عمل جديد، ومنهم من يعود إلى بيته بعشرين شيقلا وآخرون أكثر قليلا لا تكفي لتوفير لقمة عيشهم.

انتكاسة كبيرة

المزارع محمد حجازي بدأ بزراعة الورود منذ عام 1991، واستهل عمله بهذا القطاع بزراعة  القرنفل العادي، ليطور عمله لاحقا بزراعة القرنفل الأميركي لتصديره عام 1993، برفقة خمسة مزارعين على مساحة خمسة دونمات، ما يخصه منها نصف دونم فقط.

وأوضح حجازي أن مزارعي رفح بدأوا بزراعة ورد القرنفل الأميركي الذي يصدر منذ 1993، معتبرا أنه رغم وجود الاحتلال إلا أن المزارعين حققوا نجاحات كبيرة وجوائز في زراعة القرنفل.

وقال: "زرعنا القرنفل الأميركي بكميات كبيرة، وهذه المنطقة التي نحن فيها وتقع في الشمال الغربي من محافظة رفح، وهي 100 دونم كانت مزروعة بالقرنقل بالإضافة إلى المناطق الأخرى، حيث كانت مدينة رفح وحدها فيها 500 دونم". وأضاف متأسفا: "والآن رفح لا يوجد فيها دونم قرنفل واحد".

وأكد أنه بعد عام 2007، تعرض قطاع زراعة الورود إلى انتكاسة كبيرة، وأصبح هناك  صعوبات بسبب منع التصدير وإغلاق المعابر بالدرجة الأولى، ولم نستطع أن نصدر بالجودة التي كنا نصدر بها من قبل، بعد أن حقق التصدير في البورصة الهولندية مكانة قوية لكل مزارع.

وعلى الرغم من تدهور قطاع زراعة الورد بسبب منع التصدير، إلا أن المزارع حجازي لم يتوقف عن زراعته، وظل يزرعه للسوق المحلية منذ عام 2009، لكن على مساحة خمسة دونمات بعد أن كانت عشرات الدونمات.

وأوضح حجازي أن زراعته الآن للسوق المحلية بأصناف مثل "اللوعري" و"العضعاض" و"اللوندا" و"الجوري"، مشيرا الى انه خصص دونما واحدا لزراعة القرنفل للسوق المحلية، وأنه يقوم بعمل أشتال القرنفل بيديه بعد أن كانت مؤسسات تدعم بهذه الأشتال وقت التصدير.

الاستيراد بدل الإنتاج

ويقول محمد القاضي أحد أصحاب محلات الورود في مدينة رفح، أن إنتاج الورود حاليا أصبح لا يكفي السوق المحلية، على الرغم من جودة الورد المحلي العالية وجمال ألوانه ورائحته وأشكاله، إلا أنه انحصر على مدار السنوات الماضية بالورود الجنائزية، وهذا يضطرنا خلال المواسم إلى استيراد أصناف مختلفة من الورد من إسرائيل لتغطية العجز، ناهيك عن أسعاره العالية، وما يتعرض له خلال الوصول إلينا من ذبول وضرر يؤذي شكله وجماله.

ويضيف أن مزارعي الورد انصرفوا عنه بسبب الخسائر ووقف التمويل، ليقتصر فقط على ثلاث عائلات برفح هي: حجازي وصيام والقاضي.