طريق العطشان الى سراب الدحلان

كتب سلطان الحطاب

قيل أن "الذي يكبر حجره لا يضرب" وحين اختار دحلان باريس ليعلق صورته فيها أصيب بفشل ذريع لم تنقذه فيه شركة العلاقات العامة التي استأجرها لحشد (250) شخصا  لم يتجاوز الحضور (128) شخصا (100) منهم من الطلاب والشباب الصغار، فيهم 70% ليسوا من التنظيم او من الذين يؤيدونه، أما بعض أولئك الذين حضروا ليجلسوا في المقاعد الأمامية فقد تكفلت اسرائيل بتسهيل مهمة ادخالهم في حين جرى دفع مبالغ طائلة لعقد المؤتمر الذي استمر يوما واحدا وبكلفة بلغت اكثر من مليون يورو من اصل سبعة ملايين خصصتها دولة خليجية صُرف منها مليونان في القاهرة لثلاثة مؤتمرات شبيهة لم تخرج إلا بصور وبيانات سواء في القاهرة او عين السخنة، او مؤتمر نساء دحلان في غزة حين ما زالت الشعارات المرفوعة رغم بريقها غير جذابة..

حين اقتلعت جذور دحلان من الأرض المحتلة حاول اعادة زراعتها في الخارج دون ان يدرك تاريخيا أن زراعة الخارج تموت وتجف بسرعة مهما وضعوا لها من سماد واغدقوا عليها من ماء لأن نباتات الشرفات لا تصل جذورها للأرض وهناك نماذج فلسطينية عديدة ابتداء من حكومة عموم فلسطين ومرورا بتجارب ادركها الفلسطينيون حين انتقلوا للداخل لتكون اقدام قيادتهم في ارض فلسطين..

كنت ذكرت صديقي عزمي بشارة بذلك حينما غادر ارض الوطن الى المنفى وها هو دحلان يعيش الحالة بتنفس اصطناعي يضمن ديمومته اموال غريبة لها اجندات خاصة.

كنت اتمنى أن لا تعمل اموال الامارات في هذا الجانب ما تعمله، فقد كنّا دائما نرى في الشيخ زايد رمزا ونموذجا عربيا على الوحدة والدعوة للم الشمل وما زالت رؤيتنا قائمة في ذريته وان اختلفت اجتهاداتها، مدركين ان العملة الجيدة تطرد الرديئة وان ما سيكتشفه الممولون سيخيب ظنهم، ويبدو لي ان سراب العطشان في رحلة الدحلان قد انكشف تماما، وان باريس كانت محطة اعلان فشل المرأة التي راهنت على اقتسام المولود مع امه الشرعية التي صمتت حتى لا يقسم الطفل. فهل يستمر الصمت لتستمر جريمة الدعوة بتقسيم فتح او النيل منها.

لماذا باريس؟.. ولماذا فندق الشيخ منصور صاحب نادي مانشستر ستي الانجليزي .. وهذه الملايين لإلقاء خطب وكلمات كان الاجدر ان تنفق في مخيمات غزة وعلى مدارسها او على اسر شهدائها الذين يعانون الأمرين من سياسة الدحلان الأمنية وبطشه وتهميشه لأهلها الى ان انفجروا وقد كان يدرك هذه النهاية حين هرب منها الى مصر. 

لقد وقف من يقول لك يومها.. "لماذا هربت من رام الله وما مبرر هروبك ؟ هل هربت من الاتهامات بالفساد وتسليم القطاع؟ لماذا بقيت في مصر وجنودك يطاردون؟ ألم تحلق ذقن الزهار الذي تغازله الآن؟ وكيف لك ان تنتقد الاعتقالات وانت من اعتقل الرنتيسي ومحمد ضيف و الشيخ ياسين؟ هل كنت تحمي المشروع الوطني؟ ولماذا تقارن نفسك بعرفات الذي صمد في المقاطعة في وجه الاحتلال وهربت واكتفيت بأخذ صورته معك الى باريس !!"

وبقي يراقب الحريق وهو مشغول بتحالفات مع انظمة عربية يريد ان يوفر لها المزيد من اسباب القمع لشعوبها كما كان تحالفه مع سيف الاسلام القذافي ومن قبل والده وسيطا لإطلاق سراح سجين اسرائيلي من جماعة ليبرمان ( وزير الجيش الاسرائيلي)، في ليبيا كان اطلاقه هدية قدمها دحلان لليبرمان الذي اصبح فيها بعد صديقه الذي وفر له صفقة سلاح للعقيد القذافي يواجه بها ثورة الشعب الليبي..

اراد الدحلان ان يحول الثورة والمقاومة الى ثورة قطاع خاص تكشف عنها استثماراته المديدة وامواله المتحركة التي تشتري شركات علاقات عامة لحشد المؤيدين..

اعتقد ان حليف دحلان الاساسي الذي سخر اموالا وسفارات في الخارج من اجل تمكينه من الحركة في القاهرة وباريس قد صبّ له في الأخير ماء بارداً كما يقولون بالعامية، وبدأ الفيلم الذي لم يحس الدحلان اخراجه يكشف عن عيوب لم يكن المستهدف بالخدمة صاحب مصلحة في كشفها.

في مصر حيث عقد المؤتمر الذي رفعت فيه صور الدحلان في عين السخنة مدفوع الثمن وقد سعى لتسهيل عقده احد كبار ضباط الأمن المتقاعدين والذي كان ضابط ارتباط يلتقي الدحلان قبل تقاعده .. وهو من اقنع موظفا كبيرا في الجامعة العربية واخرين لتبرير ضغوط دولة خليجية في قبول الدحلان وطرحه كحالة جديدة..

تدرك اطراف غزية كثيرة من التي ترفع قميص عثمان على اسنتها مطالبة بشرعية له انه كان الاقسى على ابناء حماس وانه دفعهم ذات طيش ان يطلقوا النار على ابناء جلدتهم من مقاتلي فتح الذين فوجئوا بالانقلاب، وكان التعذيب والقاء المقاتلين من اعلى الابراج واستهداف الاصابع التي تضغط على الزناد بالقطع وايضا اطلاق الرصاص على الركبة والقدم، وقد رأيت نماذج ذلك في مستشفى الاردن بعد وقوع انقلاب حماس على السلطة في غزة والذي يتحمل دحلان مسؤوليته في الدرجة الاولى كما تتحمل السلطة جانبا في انها لم تحاسبه على ذلك منذ تلك اللحظة الاولى باعتباره فرّ من الميدان وتولي يوم الدفاع عن الشرعية. ويبدو ان اسلوب الطبطبة وعفا الله عن ما مضى قد أغرى الشاب الذي اقترن طموحه بخياله ليتوهم امكانية الانقلاب على الرئيس عرفات قبل استشهاده بأشهر قليلة وقد فشل .

"لقد جاء يستنجد بعمان التي ردته رغم انه اغرى بعض من توهموا في قدراته لينكشف لهم بعد ذلك ان ما قام به هو عمل من اعمال المراهقة. فقد جاء الى عمان ليعقد مؤتمرا صحفيا قبل اكثر من (12) سنة يقول فيه ان لديه ثلاثين الف مسلح في غزة وانه سيطيح بعرفات حال عودته من عمان وان على الاطراف الراغبة في شراء مزاده ان تنتظره ليعود لها برأس كليب!!..

ولم ينجح فقد ظل الفشل حليفه وضاقت به المواقع التي كانت تًعطي له بكرم دون حق فلم يكن الرجل خريج كلية عسكرية او امنية ليمتطي موقع وزير الأمن او ما يشابه ذلك، ولا حتى رئيس جهاز امن وقائي او صاحب أسبقية ليكون له موكبا كان يستاءل الناس في رام الله من هذا الذي يخترق الشوارع المزدحمة بموكبه ويكاد يدهس الناس دون ان يعرفوه، معتقدا انه يستطيع ان يفعل في الضفة الغربية ما كان يفعله في غزة قبل هروبه وتسليمه التنظيم لقادة الانقلاب.

مؤتمر القاهرة الي رد فيه الدحلان على المؤتمر السابع لفتح في رام الله والذي أكد شرعية الرئيس عباس ووطد قيادته لم ينجح ومع ذلك لم يتوقف الدحلان ، فقد اغراه سهولة الحصول على المال ليدفع لمؤتمر آخر وليفكر في باريس وتذاكر السفر وفندق الخمس نجوم والمصروفات والهدايا، كما اغراه انفتاح بعض العواصم العربية له بضغط مُرحّل من اسرائيل الى الولايات المتحدة التي ما زالت عند بعض الانظمة العربية تأمر فتطاع، ولذا انشغلت انظمة عربية من خلال الرباعية العربية وخارجها ليس من اجل المصالحة بين فتح وحماس، وانجاز هذه المهمة الجليلة بل من اجل اعادة الدحلان الى الحلبة ليواصل هوايته في الصراع على السلطة التي كان يعتقد انه يدفع ثمنها بأموال عربية وظفت من اجل اضعاف السلطة بدل ان توظف من اجل تثبيت صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال . 

لم يطرد احد من رام الله الجنرال دحلان فقد خرج متخفيا لتكون هجرته لما هاجر اليه وهو يريد العودة محمولا على قرارات أمنية عربية ظلت تتعامل مع القضية الفلسطينية عن طريق الأجهزة الأمنية وليس المدنية، ولولا ان عبدالناصر قد شكل في الرئاسة المصرية دائرة للشؤون العربية ظاهرها مدني وباطنها امني، لظلت القيادات الفلسطينية تراجع ضباطا امنيين كانوا احيانا برتب متدنية، وقد انكشف ذلك مجدداُ في مهمة الرباعية العربية اخيرا، والتي نطق في اجتماعاتها ضباط امن وضعوا في راس اولوياتها اعادة "المندوب السامي" دحلان الى سدة الرئاسة متناسين ما دفعه الشعب الفلسطيني طوال اكثر من قرن من اجل استقلال قراره الوطني ولجأ الى اوسلو، حيث حضن الاحتلال بعد ان ضاقت الارض العربية على القرار الفلسطيني بما رحبت. 

لماذا تريد بعض الانظمة العربية ان تظل اضافة سلبية للقضية الفلسطينية وان تدمن التدخل فيها ليس حبا في الانتصار لها، فالفلسطينيون كانوا وما زالوا قوميين بالفطرة ويرون ان انتصاراتهم على الاحتلال لا يكون الّا بعمق عربي، ولكن هذا الاعتقاد لا يقترب من الشكل الذي ترى بعض الانظمة العربية نفسها عليه حين تصبح اداة ضغط للاحتلال عن القرار الفلسطيني وهو ما عشناه ورأيناه حين توجه الرئيس ابو مازن الى الامم المتحدة ليكثر الحكماء الذين اصابتهم الحكمة بأثر رجعي وهم يطلبون منه ان يركن الى حسن نوايا الولايات المتحدة وما تعطيه اسرائيل وان لا يذهب بنفسه في توليد الدولة الفلسطينية عبر الامم المتحدة . 

ما يقوم به دحلان هو خروج على الشرعية وتمرد عليها وتشويه صورة القرار الفلسطيني والاستقواء عليه، ويبدو انه لم يقرأ في تجارب الثورات معنى الخروج، ولم يقرأ في نقد اهل السنة وحتى لدى الامام الشافعي ابن غزة او ما قال به الامام الغزالي من " حرمة الخروج على الشرعية لان في الخروج من الضرر ما يزيد عن النفع " . 

النزعة الفردية والاندفاع والاسلوب الطاووسي دفع الرجل لمزيد من الامعان في ابراز صورته على حساب قضية الشعب الفلسطيني دون ان يقدم برنامجا فلو كان دحلان على يسار ابو مازن لكان لنا رؤية اخرى , لكن الرجل هو بطل التنسيق الامني الذي يلوم رفاقه الان عليه بعد ان ورطهم فيه , وهو بطل الانشقاق والفتنة في غزة, وبطل الاستقواء بالخارج وامواله وتجارته وتشويه القرار الفلسطيني , وسلطته على منظمة التحرير الفلسطينية التي يدعي انه يعمل على احيائها . 

تمسكن في منفاه في الامارات وقد عمل الى ان يتمكن , والذي كان يراه يجلس او يقف في مجالس الشيوخ كان يدرك ان الشعب الفلسطيني لا يقاد بهذه الطريقة، ولا يقبل هذا الاسلوب، وحين "شمّ نفسه" بدأ يتطلع الى الخارج فذهبت امواله المستأجرة وبعض رجاله وحتى زوجته لإشعال الفتنة في بيروت وفي مخيماتها وتحديدا عين الحلوة . 

ولذا رأينا ثمن الشغب وانفلات بعض الزعران في مظاهرات مكلفة الثمن لترفع صوره، وراينا السيدة زوجته تقوم بمهمات لفتت انتباه بعض اللبنانيين من الذين لم يقبضوا ولم يضغط عليهم او لم يقبلوا القبض والضغط مثل الزعيم وليد جنبلاط الذي قال (لا نريد ان ندفع ثمن حسابات اقليمية .. ويجب منع بعض الرموز وزوجاتهم من دخول لبنان) " معلقاً على المهمة التي تقوم بها السيدة جليلة زوجة السيد محمد دحلان في لبنان، وتوزيع مساعدات وهمية تحولت الى اشتباكات ورصاص في مخيم عين الحلوة. 

ولان طريق السراب لا يحمل ماء، فقد فشل لقاء باريس وفشلت من قبل مؤسسة الاهرام المصرية التي رغبت في دعوة ( 100 ) صحفي في دورة لصحفيين من غزة لصالح دحلان، والتي استعانت بتقرير كاذب كتبه ديمتري دلياني عضو المجلس التشريعي عن تعذيب السلطة لجماعة دحلان .

 كنت اتمنى ان لا يكون ركاب الصف الاول في لقاء باريس  كلهم من غزة حتى تظل هناك  مصداقية لدعوة دحلان انه يمثل فلسطينيين على اختلاف جغرافيتهم، وحين كان يوسع دائرة الجغرافيا كان يدعو شباب من تنظيمات اخرى وحتى من غير الفلسطينيين ليزيد عدد الحضور، محاولا الاختباء وراء شخصيات فرنسية خارج السلطة او في الاحزاب تتوق ان يجري تصويرها في ندوات عشية الانتخابات الفرنسية في محاولة من الدحلان لإظهار انه اصلاحي دون ان نعرف ما هي بضاعة الاصلاح التي يبيعها وما علاقة انطوان لافيير وحتى سمير تويني بذلك . 

البعض سمى انصار الدحلان الذين حضروا زار باريس بالمجنحين وهو اسم مخفف في حين سماهم البعض بالمجذفين والاخرين بالخوارج او بالمهرطقين او الباحثين عن الأضوية . 

حاولت مساعدات السيدة زوجة الدحلان في مخيمات لبنان الشغب على زيارة ابو مازن الذي ظل يحظى باحترام القيادة اللبنانية ويعمل على تفعيل الشتات الفلسطيني في خطة شاملة بدأت بعد مؤتمر فتح السابع، وتحدث عنها امين سر اللجنة المركزية لحركة فتح اللواء جبريل الرجوب امس الاول في لقاء تلفزيوني في برنامج حال السياسة مع المقدمة اميرة حنانيا، وقد وضع كثيرا على النقاط على الحروف، مؤكدا ان مساعي الدحلان المرتبطة بتأييد بعض الاطراف العربية الواهمة لن تنال من العلاقات التاريخية والمستمرة الفلسطينية المصرية التي اعطتها زيارة الرئيس محمود عباس للقاهرة امس الاول وقبيل انعقاد القمة العربية دفعة قوية للأمام . 

لقد استطاع الرئيس محمود عباس الذي ما زال يحمل العنوان الرئيس والوحيد للشعب الفلسطيني ان يحافظ على تجاه البوصلة العالمية باتجاه القضية الفلسطينية وقرارها وتمثيلها، وهذا ما دفع الرئيس الامريكي دونالد ترامب للاتصال به ودعوته لزيارة البيت الابيض، ومع ذلك فما زال اسلوب المراهقة يدفع المنشق دحلان لصرف المزيد من الاموال في عقد مؤتمر آخر لم يستفد من فشل مؤتمر باريس وفي واشنطن هذه المرة . 

لن نقول زيادة عما قالته السيدة الاماراتية سارة الحمادي تخاطب عيال زايد لماذا "تريدون تنصيب دحلان ؟ وعلينا ان ننصح اخوتنا الاعزاء في الامارات والذين لا نشك في اخلاص معظمهم ان لا يبددوا اموال الامارات لجني خيبة أمل اخرى بعد ما احدثه الدحلان في مؤتمر باريس حين اراد ان يغطي جريمة الانشقاق بيافطة تحمل اسم "مؤتمر الوفاء للشهداء والاسرى". 

باختصار لن يستطيع رواد فندق كايرو سي في 14/ 10/ 2016 في ما اسماه الدحلان مؤتمر القاهرة ولا محاولة شراء فتح معبر رفح لايام قليلة لخروج انصار الدحلان من غزة لحضور المؤتمر , ولا حتى ال ( 30 ) مشارك الذين دعاهم المركز القومي لدراسات الشرق الاوسط الذي يديره ضابط متقاعد من المخابرات , ولا شركة العلاقات العامة التي تعود ملكيتها لصهر ضابط مخابرات آخر اقنع موظفا في الجامعة العربية لصناعة تغطية للدعوة باسم الجامعة العربية ,, ولا غيرها  ان تفعل شيئا كثيرا سوى التشويه المتعمد للقضية التي ضحت مصر باكثر من ( 150 ) الف شهيد من اجلها . 

اذن نحن بانتظار كذبة نيسان في الاول من ابريل ليعقد دحلان مؤتمر لهذه المناسبة في واشنطن، والذي لن يكون بأحسن مما كان عليه لقاء باريس.

 دحلان الذي "رش" الكثير حتى لا يشهد لقاء غزة اي اشكاليات امنية من جانب حماس لاجتماع نساء دحلان، وهو امر لم نتعود عليه حين طاردت حماس فتح الرسمية واعتدت على القياديين حلس وابو سمهدانه، اما الاخرون من الذين ذهبوا في طريق " العطشان الى سراب الدحلان"،  فقد تلهوا بالتجارة ونسوا القضية التي بدأوا بها رأس مالهم !! .