رياح مواجهة

يديعوت - بقلم: اليكس فيشمان

الاحداث العسكرية الاخيرة، سواء في الجبهة السورية أم في الجبهة حيال غزة – وان لم تكن أي صلة بينهما – تشير الى مسيرة تقصير المدى نحو مواجهة مسلحة. الهدوء النسبي على طول الحدود في السنوات الاخيرة، الذي اصبح رمزا للاستقرار الامني وقدرة الردع الاسرائيلية، آخذ في التناقص.

ان المنطق الذي قبع حتى الآن في أساس النشاط العسكري الاسرائيلي على طول الحدود، كان يقول انه يجب عمل كل شيء من أجل ابعاد المواجهة العسكرية. وهكذا تبلورت المعادلة التي في أحد طرفيها عملت اسرائيل في نهاية الاسبوع لمنع انتقال سلاح بعيد المدى ودقيق من سوريا الى حزب الله وضربت بنى تحتية وقدرات لحماس في القطاع. وفي الطرف الثاني من هذه المعادلة عملت اسرائيل كي لا يحشر العدو في زاوية تلزمه بالرد بشكل يؤدي الى مواجهة شاملة. غير أنه في الاسابيع الاخيرة تضع إسرائيل نفسها هذه المعادلة في اختبار متطرف. يبدو وكأن احدا ما عندنا لن يأسف حقا اذا ما عاد جدول الاعمال الامني ليحتل العناوين الرئيسة في الصحف.

من أحداث نهاية الاسبوع في الشمال يمكن أن نفهم أن اسرائيل تهاجم في سوريا ليس فقط كي تمنع قوافل السلاح الايراني الى حزب الله. فاسرائيل تستعرض حضورا في سوريا وذلك ايضا كي توضح للروس اساسا: لن تكون أي تسوية في سوريا دونها.

وحسب بيان الجيش السوري، فقد هاجم سلاح الجو مطار تي4، بين حمص وتدمير، المنطقة الحساسة بشكل خاص من ناحية الروس، إذ مؤخرا انتهى في هذه الجبهة هجوم ناجح من الجيش السوري بمساعدة روسية مكثفة. ورفع الهجوم الجوي واعتراض الصاروخ السوري الذي اطلق ردا على ذلك، رفع مستوى المراهنة التي تأخذها اسرائيل على طاولة القمار السورية. نحن نقترب خطوة اخرى نحو تدهور عسكري في الجبهة السورية. فقد صعد الطرفان الى شجرة عالية وهما يتمترسان في مواقفهما.

اسرائيل لا يمكنها أن تنزل اليوم عن الشجرة، إذ حسب رأيها كل إبداء للضعف سيدحر مصالحها الى الهوامش، وستحصل على الايرانيين في هضبة الجولان ومصاف ايراني في ميناء اللاذقية. ومثل هذا المصاف سيجعل توريد السلاح الى حزب الله من تسريب الى طوفان.

اذا لم ينزل السوريون عن الشجرة وواصلوا تهديد حرية العمل الاسرائيلية ضد قوافل السلاح لحزب الله، فان الصدام مع الجيش السوري– ليس فقط في الجولان بل وايضا في عمق سوريا – يكون محتما.

لا غرو ان الروس يبثون هدوءًا عصبيا. فلاحداث من هذا النوع قد تكون آثار بعيدة المدى على التسوية التي يحاولون بلورتها في سوريا. والسفير الاسرائيلي في موسكو لا يستدعى على عجل، عشية دخول السبت، الا اذا كان هذا يتعلق بقلق وغضب استثنائيين في الجانب الروسي. ومن غير المستبعد أن يكون الروس يشعرون بان هناك فجوة بين ما سمعوه من نتنياهو في لقاءاته مع بوتين وبين السلوك الاسرائيلي على الارض. وهذا ليس سوء فهم عملياتي آخر يبحث في اللجان المشتركة بين الجيشين، الاسرائيلي والروسي، او بين وزارتي الدفاع. هذه أزمة سياسية.

في الجيش يفحصون اليوم بأثر رجعي اطلاق صاروخ حيتس الذي اعترض الصاروخ السوري المضاد للطائرات. هذه عملية لم تستغرق أكثر من ثوان معدودة: من اللحظة التي يشخص فيها غرض باليستي يطير باتجاه اسرائيل وحتى اطلاق صاروخ الاعتراض. أحد المقاييس المركزية في اتخاذ القرار هو ألا يعرض اطلاق الحيتس للخطر طائرات سلاح الجو في ساحة الاعتراض. ما يعزز الفرضية بان الصاروخ السوري اطلق نحو هدف ما – ولكن هذه لم تكن الطائرات القتالية لسلاح الجو. فهي لم تعد تكن هناك.

كقاعدة، اطلاق صاروخ سوري مضاد للطائرات من طراز اس200 المحسن الذي باعه الروس للسوريين مؤخرا، هو أمر غريب. فصاروخ أس200 هو صاروخ ثقيل، ثابت لمدى 300 كيلو متر، لا يستهدف اعتراض طائرات قتالية مناورة. نشر خبراء عسكريون روس مؤخرا أن اسرائيل تستخدم منظومات قتالية الكترونية "تعمي" تماما البطاريات السورية وتشوش منظومات الاتصالات فيها.

مما هو معروف، فإن الروس أنفسهم لم ينقلوا للسوريين أي معلومة عن الهجوم الاسرائيلي. هكذا بحيث أنه ليس واضحا الى أي هدف أطلق السوريون صاروخ الاعتراض. في سلاح الجو يفحصون الان ما الذي اسقطه صاروخ حيتس في واقع الامر. من غير المستبعد أن يكون الحديث يدور عن حطام كبير لـ أس200 الذي تفجر في الجو بعد أن اخطأ هدفه. كما ليس واضحا من في سوريا اصدر الامر. من غير المستبعد أن يكون قرار اطلاق الصاروخ لم يتخذ في مكتب الرئاسة. ويحتمل أن تكون القيادة العسكرية السورية تبنت اطلاق الصاروخ بأثر رجعي.

لم يكن للجيش الاسرائيلي اخطار مسبق عن اطلاق الصاروخ السوري نحو اسرائيل. فعلى مدى سنوات طويلة تنتظر الطواقم التي تستخدم حيتس 2 الاختبار في الزمن الحقيقي – وقد نجحوا فيه. فالحديث دور هنا ايضا عن انجاز تكنولوجي كبير للصناعات الاسرائيلية. فقد اعترض حيتس 2 جسم باليستي في مدى اكثر من 100 متر  خارج حدود اسرائيل. وتوجد هنا رسالة واضحة للايرانيين لليوم الذي يقررون فيه اطلاق صواريخ شهاب لاسرائيل.

في غزة يسجل ارتفاع كبير في عدد الصواريخ التي تطلقها المنظمات السلفية نحو اسرائيل. وهذه حقيقة تستغلها اسرائيل كي توسع نشاطها الجوي ضد بنى تحتية عسكرية حرجة في القطاع. غير أن هذا التراشق يلتقي اليوم في غزة تغييرات هامة في القيادة. فيحيى السنوار الذي سيترأس ابتداء من نيسان قيادة حماس في غزة، هو تلميذ عبدالله عزام، المعلم الروحي للقاعدة. صحيح، يتنازل هو عن تشريفات السجن والتنظيم السري، ويرتدي بدلة ويقوم بزيارات سياسية في المؤسسات المدنية في القطاع، ولكنه غير ملزم بمظاهر الاعتدال السياسي المزعومة التي تبثها قيادة حماس في دول الخليج.

في اسرائيل يقدرون بان عدم رد تنظيم حماس على الهجمات الجوية لا ينبع من اعتدال سياسي بل من الاعتبار البسيط بان حماس لم تستكمل بعد استعداداتها لجولة عسكرية اخرى. ما لا يضمن بان ضغطا اسرائيليا، يعرض القيادة في غزة في ضوء هازىء او يلحق اصابات، لن يجر حماس الى جولة مسلحة مع الوسائل القتالية التي نجحت في جمعها حتى الان.