نبض الحياة - أهمية الرد السوري

عمر حلمي الغول

حدث ما لم يكن في حسبان إسرائيل فجر الجمعة الماضي، عندما قام طيرانها الحربي بمحاولة ضرب أحد المواقع السورية، او كما ادعت القيادة العسكرية الإسرائيلية استهداف إحدى قوافل الأسلحة المرسلة لحزب الله اللبناني، حيث أطلقت المضادات السورية صاروخ ارض جو معترضا الطائرات المهاجمة، ما أربك الطيارين، ودفعهم للهرب من الأجواء السورية. وبغض النظر عن الروايتين السورية والاسرائيلية ومدى مصداقية أي منها، وأيا كانت نوعية الصواريخ المستخدمة حديثة ام قديمة، فإن مجرد إطلاق المضادات الأرضية للصاروخ على الطائرات، وإجبارها على الفرار تعتبر خطوة مهمة في اللحظة السياسية الراهنة، ويمكن اعتبار ذلك لحظة انعطاف في المعادلة السياسية والعسكرية السورية الاسرائيلية، حيث تملي الضرورة على سلاح الجو ووزارة الجيش الاسرائيلية إعادة نظر في تعاملها مع الساحة السورية. فلم تعد الأجواء السورية، رغم كل الظروف الاستثنائية، التي يعيشها النظام السوري نتاج الاستنزاف الحاصل طيلة السنوات الخمس الأخيرة لطاقات الجيش العربي السوري بسبب الصراع الدائر هناك، والتدخل من قبل قوى إقليمية ودولية على الأرض السورية، إلا ان الرد الأخير، أكد على تغير نسبي في شروط المعادلة السابقة ليوم الجمعة.

لكن وزارة الجيش الإسرائيلية، كما أعلن وزيرها ليبرمان أمس، ستعمل على ضرب المضادات الصاروخية السورية. ولهذا قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بقصف سيارة يوم السبت الماضي، ادعت انها لأحد قادة حزب الله. وهو ما يعني، أن إسرائيل ستواصل سياسة استباحة الأجواء السورية حتى تتعرف على مواقع المضادات، وترصدها جيدا، ثم تنقض عليها لاحقا في حال أتيحت لها الفرصة، هذا من جهة، وهي ترسل بذلك رسالة لروسيا الاتحادية، أنها لن تلتزم بأية تعهدات أعطتها لها فيما سبق، وبالتالي تتحدى الوجود الروسي في سوريا، دون أن تتعرض لقاعدة حميميم في طرطوس او غيرها من المواقع الروسية على الأرض السورية، لأنها لا تريد التورط في اي صدام معها، وتحرص على تحييدها قدر الإمكان. وهي بذات الوقت، توجه رسالة لإيران وحزب الله، عنوانها، ان باعها طويل، ولن تسمح لهما بأي نفوذ في الأراضي السورية يعرض أمنها للخطر.

أضف لذلك، أن إسرائيل ستعمل بالتوافق والتكامل مع الولايات المتحدة وتركيا، رغم وعود نظام اردوغان لروسيا، بأنه مع الحل السياسي، والتزامه بالرؤية الروسية للعملية السياسية للمسألة السورية، على إرباك تلك العملية، وتغيير ركائزها وبما يخدم المصالح المشتركة للحلف الإسرائيلي الأميركي التركي. وهذا التطور سيدفع روسيا لتدوير الزوايا في علاقاتها مع إسرائيل والقوى المنخرطة معها بما يحول دون إحداث أي إرباك لتوجهاتها وخطتها ونفوذها في سوريا.        

 والملاحظ ان الضربات الإسرائيلية جاءت في أعقاب زيارة نتنياهو لروسيا الاتحادية قبل ايام، ما دعا القيادة الروسية (الخارجية) إلى استدعاء السفير الإسرائيلي لإبلاغه رسالة واضحة تتمثل في، أولا التحذير من السياسة، التي تنتهجها إسرائيل؛ ثانيا إقناع إسرائيل بأن روسيا ملتزمة بما تعهدت به لها بعدم السماح بتعريض امنها للخطر؛ ثالثا إلزامها بالرؤية الروسية للحل السياسي للمسألة السورية، لأنها الطرف القوي في المشهد السوري، وصاحبة النفوذ القوي فيها، دون إلغاء دور القوى الدولية خاصة الولايات المتحدة ودول الإقليم؛ رابعا التأكيد لها انها لن تسمح بضرب المضادات الصاروخية السورية.

النتيجة المنطقية لما حصل يوم الجمعة من رد سوري على اختراق الأجواء، كان تحولا نسبيا مهما في مسار المعادلة السياسية والعسكرية السورية الإسرائيلية. وهو ما يشير إلى ان النظام السوري بدأ بالتقاط انفاسه، وحرص على التأكيد، انه لم يعد لقمة سائغة لا لإسرائيل ولا لتركيا ولا لغيرهما من دول المنطقة، وانه قادر على ان يرد بالقدر الذي يستطيع، ليس هذا فحسب، بل انه بات المقرر في الشأن الداخلي السوري، رغم كل الصعوبات والتعقيدات، التي تشهدها البلاد حتى الآن.

[email protected]