بين بغداد والخليل... مقام الشيخ الشبلي

رام الله -حياة وسوق- أسامة العيسة- تمكن القطب الصوفي أبو بكر الشبلي، من الاستحواذ على حيز له في إحدى حارات بلدة الخليل القديمة، يلفه الهدوء، رغم أن المنطقة من حوله دائمة التوتر بسبب الوجود الاستيطاني والعسكري الاحتلالي.

من بغداد إلى الخليل

عاش الشبلي في بغداد وتوفي فيها سنة 334هـ/945م، عن عمر بلغ 87 عاما، وقبره معروف في قصبة الإمام الأعظم في العاصمة العراقية، ودفن فيها أحد تلاميذه أو مريديه وهو الشيخ الترعاني.

الشبلي خراساني الأصل، ويعتبر من كبار شيوخ الصوفية، ينسب إلى قرية من قرى أشروسنة في خراسان يقال لها شبلية ولهذا أصبح الشبلي.

شغل والده منصب حاجب الحجاب للخليفة الموفق، وعلى درب والده ترقى في مناصب الدولة، وأصبح واليا على البصرة ودوماند من توابع طبرستان، ولكنه ترك كل هذا ليتصوف، ويصبح قطبا مشهورا.

حظي الشبلي باحترام المتصوفة، وقال عنه الجنيد: "لكل قوم تاج وتاج القوم الشبلي"، وقال عنه أيضا: "لا تنظروا إلى أبي بكر الشبلي بالعين التي ينظر بعضكم إلى بعض فإنه عين من عيون الله".

يصفه محبوه بأنه: "الشارب رحيق المعرفة" ويظهر في سيرته التي يتداولها المهتمون، كشاعر تنسب إليه قصائد في الحب الإلهي".

زاوية ومسجد

أما كيف انتقل الشبلي، إلى الخليل، ويكون له قبر ومقام فيها، فهذا ما لا يطرح فيما يتعلق بكرامات الصوفية، وفي قلة المصادر التاريخية التي تتحدث عن مقامه في المدينة.

ولكن من الواضح، أن مقام الشيخ الشبلي في الخليل، هو حديث نسبيا، فلم يذكره الحنبلي مؤرخ القدس والخليل في الفترة المملوكية، في كتابه (الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل).

يرجع تاريخ إنشاء المقام للفترة العثمانية في عام 1260هـ/1844م، وفي عام 2003م، عمدت لجنة إعمار الخليل، إلى ترميمه، بتمويل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ومن خلال مؤسسة التعاون.

يضم الموقع غرفة تعتليها قبة تُعرف بأنها مقام الشيخ الشبلي وفي داخلها ما يقول السكان انه قبره، وغرفة أخرى تعرف بأنها تضم قبر تلميذه الترعاني، وبينهما مسجد بقبة تقام فيها الصلوات كما يقول المشرف على الموقع عثمان أبو الحلاوة (أبو أسعد).

ويفيد أبو أسعد، بان للشيخ الترعاني أحفادا يعيشون في القدس، ويزورون ما يفترض انه قبره، بين الفترة والأخرى، وان معلوماته تشير بان الترعاني جزائري الأصل.

وحسب الباحثة نجاح أبو سارة التي وثقت للمقامات والزوايا في الخليل، فان هذه الزاوية تقع في محلة القزازين حسب تسجيلها في سجل الأملاك بتاريخ 23-4-1941م، وتبلغ مساحتها 240 مترا مربعا، وحدودها على النحو التالي: من الغرب: دار جمجوم والطريق، ومن الشرق: الطريق، ومن الجنوب: دار علاء الدين والجبالي، ومن الشمال: دار عرفة.

وورد في السجل: "إن العقار المدونة تفاصيله أعلاه مسجل باسم مأمور أوقاف الخليل بصفته متولي الأوقاف الإسلامية القاطن في الخليل، وقد أعطيت له هذه الشهادة إشعارا بالتسجيل المذكور".

يقول المواطنان رمضان الشرباتي ورمضان أبو ماضي، إن المسجد داخل الزاوية يخدم نحو 50 مصليا، ويطالبان مديرية الأوقاف في الخليل بالاهتمام أكثر في المكان، لأن كل ما يحتاجه المسجد يتكفل به الأهالي، بينما تغطي المديرية ثمن الكهرباء والمياه.

كرامات

لا يعلم سكان منطقة الزاهد التي يقع فيها المقام، الكثير عن كرامات للشيخ الشبلي، كما يقول المواطن بسام الحرباوي، مضيفا: "ما نعرفه أن الشبلي رجل مستجاب الدعاء، فكان أجدادنا يلجأون إليه ليدعو للمرضى كي يشفوا".

الباحث في التراث الشعبي الراحل الدكتور رشدي الأشهب، سجل لنا في كتابه "الحكايات والأساطير الشعبية في منطقة الخليل"، واحدة من كرامات الشيخ الشبلي كما حفظها الوجدان الشعبي الخليلي.

وحسب الحكاية، فانه كان للشيخ الشبلي، زوجة مشاكسة تقطع عليه اعتكافه ودعاءه وصلواته لكثرة مطالبها، فقرر الهرب منها ليفرغ إلى تعبده ووحدته، فسار في طريق البادية حيث التقى رجلين صالحين، فاستأذن في رفقتهما فسمحا له، فساروا جميعا، وعندما شعروا بالجوع، اتفقوا أن يدعو كل واحد منهم الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء، فدعا أول الرجلين فنزلت المائدة وأكلوا في اليوم الأول، ثم دعا الرجل الثاني في اليوم الثاني فاستجيب دعاؤه أيضا، ثم جاء دور الشيخ الشبلي الذي دعا الله، فنزلت مائدتين فدهش الرجلان لهذا الأمر وأحس بدهشتهما فسألهما: بماذا دعوتما الله؟ فقالا دعونا الله بكرامة الشيخ الشبلي وزوجته. وعندما سألاه: وأنت بماذا دعوت؟ أجاب: "أنا دعوت الله بحق ما دعوتما به"، وبهذا علم الشيخ الشبلي أن زوجته سيدة صالحة وانها من الواصلين أمثاله إلى النور الإلهي، فقطع سفره، وعاد معتذرا مقررا العيش معها.