"الزرب".. مهنة تقليدية تستحضر لذة الطعام من جوف الأرض

استراحة الحياة- جمال عبد الحفيظ- يتحول "الزرب"، هذا الطبق الشعبي الفلسطيني الشهي، سريعا إلى مهنة تدر المال، فيما يتنامى عدد المشتغلين فيها ويتبارون على ابتكار طرق أسهل وأقل جهدا وكلفة تحافظ على الأصالة للوصول إلى معدة وجيوب الزبائن.

ومع تجدد وتنامي شهرة "الزرب" وهو طبق فاخر يميز الولائم والدعوات، تتسابق المطاعم والمتنزهات الى إضافة هذا الطبق الى قوائم طعامها الداخلية، وطلبات التواصي بقصد التميز.

والزرب في أساسه هو طريقة لشيّ اللحوم فوق جمر الحطب مباشرة في باطن الأرض، ضمن حفرة يحكم الطاهي إغلاقها على اللحم والجمر، تفتتح مرة واحده بعد انتهاء الزمن الذي قدره الطاهي لنضج الشواء.

كان الزرب الموغل في العادات وثقافة الطهي الفلسطينية محصورا في شي الخراف والجدي كذبيحة كاملة في الخلاء، وبتطور ثقافة الطعام والظروف الاقتصادية بات الحفر يشوي أي كمية من اللحوم الحمراء والطيور مهما قل أو زاد عددها، وأضيفت اليها حديثا أنواع من الخضار، والأرز كمكونات إضافية في الطبق لمن يرغب. وأخذت الحفر تخرج من بطن الأرض إلى السطح.

ابتسام سعادة ربة أسرة متوسطة الحال من شمال غرب رام الله، تقول: عند الحديث عن الزرب فأنت تتحدث عن فخامة الولائم وربما عن بذخ، فهذه الوجبة اللذيذة مكلفة ماديا، ولا تحضر في مطبخ المنزل، ويحتاج اعدادها الى مهارة وخبرة.

وتتابع: انا لا يمكنني المجازفة بتحضيرها حتى لو عرفت الطريقة ووجدت المكان والوقت، ان تدفن اللحم ولا تراه الا عند نضجه أمر ينطوي على مجازفة فقد تخرجه فحما أو نيئا فيما ضيوفك ينتظرون على المائدة.

وتضيف: في الواقع يعد الزرب وجبة شهية يحبها جميع أفراد الأسرة، وأريدها تتوسط المائدة في كل وليمة لكنها مكلفة ونحن نطلبها من مطاعم قريبة يزداد عددها في رمضان خاصة كوجبة إفطار ربما مرتين أو ثلاث على مدار شهر الصوم، وللولائم المهمة والكبيرة فقط أسوة بحال كل من قابلناهم.

الزرب التقليدي

موسى علي يعتبر من أمهر طهاة الزرب في منطقة رام الله ينشده الكثيرون من معارفه واصدقائه لعمل زرب لصالحهم، لم يكن يتخذها مهنة ولم يطلب أجرا لكن غالبا ما قبل مكافأة عن المهمة التي تستغرق ساعات مضنية بين لهيب الشمس والحطب المشتعل.

ويشرح علي طريقة عمل الزرب التقليدية قائلا: نعد حفرة داخل الأرض بأبعاد مناسبة تلائم كمية اللحم المراد شيها وهذه الحفرة يمكن اعادة تجديدها واستخدمها، واذا اردت ان تشوي جديا كاملا مثلا تحفر حفرة بأبعاد مختلفة.

ويضيف: فوق هذه الحفرة نبني جدارا دائريا من الحجارة ويسقف على علو 75 سم ونجعل له بابا من جهة الغرب وفتحة تهوية من الجهة العليا، وبعد ذلك نصنع طينا ونضعه حول الحجارة لمنع تسرب الحرارة ونوقد النار في الحطب داخلها وعندما تصبح جمرا نضع قطع اللحم الكبيرة المملحة والمبهرة مسبقا على الجمر مباشرة، ونغلق باب الزرب وفتحة التهوية جيدا بالحجارة والطين حتى لا تخرج منه الحرارة ونراقب الحال، ونغلق بالطين أي مكان يسرب الهواء من داخل الحفرة لأن هذا قد يتسبب باحتراق اللحم.

وتابع: الأمر يحتاج الى خبرة ومعرفة عمر الذبيحة ونوع اللحم لتقدير الوقت اللازم  لنضج الشواء وبغير ذك قد يحترق أو يخرج نيئا ولا يمكن في هذا الطبق اعادة الكَرة، موضحا انه في حالة شواء طيور ينبغي إدخالها في الزرب كاملة غير مقطعة، لأن القطع الصغيرة غالبا ما تحترق في طريقة الشواء هذه.

ويحتاج لحم جدي أو خاروف عمره بحدود ستة أشهر 90 دقيقة، اما الأكبر سنا فيستغرق نضجة ساعتين، والدجاج نحو ساعة، وبانتهاء الوقت نفتح باب الزرب ونخرج اللحم الذي يكون محمرا وناضجا تماما وطيب الطعم ولا خشية من وجود رماد أو تراب عليه.

أصالة تتطور

وبخلاف هذه الطريقة الأصل، بدأ طهاة بالبحث عن وسائل جديدة تقلل الجهد، فمنهم من يستجدم براميل معدنية توضع في الحفرة وتغلق وتدفن، ومنهم من بنى من الحجر والطين حفرا فوق الأرض ضمن خلايا تتسع الواحدة لكمية قليلة من اللحم والطيور لتلبية الطلبات الفردية اليومية مع اتباع باقي الطريقة السابقة، ومنهم من ابتكر ضمن مهنة طاهي زرب جوال أو في المطاعم والمتنزهات حيث تنفق الأسر مبالغ كبيرة على هذه الوجبة.

ويقول مهند يعقوب بني نمرة من سلفيت: في البداية كان عمل الزرب مجرد تسلية بالنسبة لي، وتطورت لتكون عملا مربحا إضافيا أو ربما وظيفة كاملة.

وعن طريقته يقول: نحفر حفرة تتسع لبرميل من الحديد مفتوح من الأعلى ليكون على مستوى الأرض ونغلق ونهيل التراب حوله داخل الحفرة لاغلاق الفراغات تماما، ثم نأتي بالحطب ونشعل النار داخله، وأنا أفضل خشب الزيتون لأنه ينتج جمرا ومذاقا طيبا.

وعن طريقته في اعداد الشواء يقول: أتبل الدجاج أو اللحم بالليمون والزيت قبل يوم وبعدها أضيف البهار ومن ثم أضع اللبن بدل الخل ليعمل على تخمير الأنسجة ثم الثوم مع اللبن والنعناع والريحان ومن ثم البهار لمنح الشواء الطعم المناسب له.

 الأرز.. حديث الزرب

بني نمرة مثل كثيرين عمل لمواكبة الطلب على تطوير طبق الزرب باضافة الأرز تحت الدجاج أو اللحمة حسب طلب الزبون.

وعن الأجر الذي يتقاضاه لقاء هذه العملية يقول انه في متناول الجميع لكنه عمل مجد، موضحا ان اسعار الشواء تتفاوت حسب الطلب والكمية.

ووفق بني نمرة يكلف شي الدجاجة أو كيلو اللحم الواحد 10 شواقل. فيما يرتفع الى 30 مع كيلو أرز عادة ما تضاف إليه حبات البازيلاء والذرة، طبعا على ان يحضر الزبون معه ما يريد شيه، وهي اسعار متواضعة تمكن الجميع من طلب هذا الطبق الشهي،  وفرصة لربات البيوت لتوفير الجهد وتعب الولائم خاصة في شهر رمضان.

وبالنسبة الى الطاهي مصطفى الشعيبي يمثل الزرب فكرة جيدة من النواحي المادية فهو مربح ومريح للعائلة وطبق لذيذ وشهي.

ويقول: أقوم باعداد وتحضير الزرب على مدار العام للجميع وأستقبل الزبائن من البلدات المجاورة لنا  وألبي طلبات للبيوت والمناسبات الكبيرة، لكن في فصل الشتاء يكون العمل شاقا.

الشعيبي يعتبر طريقته في تحضير الدجاج واللحم والبهارات التي يستخدمها سر مهنة وقال: لدي أكثر من برميل للشواء، وأضع 17 دجاجة وأكثر في برميل واحد وكل الكمية مقابل أجر قيمته 150 شيقلا.

وقال الشعبي: اننا كشعب فلسطيني مكافح يجب علينا البحث عن وسائل كثيرة من أجل كسب لقمة العيش، فنحن نعيش في ظروف صعبة جدا وعلينا تحسين أوضاعنا بكل الوسائل، فالزرب الفلسطيني فكرة جيدة، ولكن تتطور باستمرار بتطور الحياة.

وعن طريقته الخاصة، قال: نقوم بحفر حفرة في الأرض تتسع لبرميل معدني من الحديد مفتوح من الأعلى ونقوم بطمر الفراغات ما بين الحفرة والبرميل بحيث يصبح أعلى البرميل على مستوى رأس الحفرة ونصنع قفلا للغطاء.

ويضيف: نقوم بإحضار الحطب اليابس ويفضل الزيتون والحمضيات والبلوط ونضعها في (البرميل) ونشعل النار فيها حتى تصبح جمرا، وفي هذه الأثناء نقوم بتجهيز الزرب  بتمليح اللحم وتتبيله بالبهارات وسمن بلدي (بلقاوي) وفلفل أسود تخلط معا ويدهن بها اللحم ثم نضعه على الجمر بوضع رأس الخاروف باتجاه النار ثم نغلق البرميل بالغطاء المعدني للبرميل ونضع التراب فوق الغطاء على ألا يكون اي متنفس للبخار، وبانتهاء الوقت سيفاجئك جمال الشواء وطيب رائحته والأمر يعتمد على الوقت وكفاية كمية الحطب.