تثاقف الحضارات على جبل الشيخ شعلة

حياة وسوق- أسامة العيسة- على أحد الجبال المطلة على قرية الناقورة، إلى الجنوب الشرقي من سبسطية، في محافظة نابلس، ما زالت بقايا قلعة بيزنطية صامدة، تشير إلى الموقع الاستراتيجي للجبل الذي يكشف عدة مناطق بينها مدينة نابلس.

قد تعود البقايا الأثرية إلى العصر الروماني الأقدم، في الجبل الذي يحمل اسم الشيخ شعلة، وبقايا القلعة اعتبرت، على الأقل، في النصف الأول من القرن العشرين مقاما على اسم الولي الإسلامي الشيخ محمد شعلة.

يرتفع الجبل 450 مترا عن سطح البحر، لكنه بالنسبة للمنطقة المحيطة به يحتل موقعا استراتيجيا مهما، وعلى الأرجح استخدم لأغراض عسكرية، وواسطة عقد بين عدة جبال بُنيت عليها مقامات من بينها مقام بازيد في قرية برقة، ومقام باسم المزار يقع على جبل تابع لقرية الناقورة.


مدينة نابلس كما تظهر من جبل الشيخ شعلة.

بالنسبة لأهالي الناقورة، التي يُطلق عليها الناقورة الجنوبية، لتميزها عن الناقورة الشمالية، على الحدود مع لبنان، فان الجبل اخذ اسمه من إشعال النيران، كوسيلة تواصل مع المواقع الأخرى، عند وقوع أخطار، أو للتنبيه لمناسبات معينة، أو أمور أخرى من هذا القبيل.

قد يكون هذا صحيحا، لكنه غير كاف، لإكمال حكاية الشيخ شعلة، الذي سنعرف من خلال كتابات رائد الفولكلور الفلسطيني توفيق كنعان، ان اسمه الشيخ محمد شعلة، وان موقعه جزء من التحولات التي شهدتها مواقع عديدة في فلسطين، فهناك الكثير من الكنائس تحولت إلى مساجد، ومزارات مسيحية، أصبحت مزارات إسلامية، أو مزارات مشتركة لأتباع أديان مختلفة.

ينقل كنعان حكاية كانت متداولة عن الشيخ شعلة: "حصل مرة عراك بين المؤمنين (المسلمين) والكفار، وكان رجال الله الذين أرسلتهم السماء ينفثون النار التي سحقت الأعداء". وهكذا اخذ الولي اسم شعلة.

ولكن علم الآثار قد ينبئنا ما خلف القصة، فعالم الآثار البروفيسور آلت، تمكن من قراءة نقوش باليونانية، عرفنا من خلالها ان الموقع كان كنيسة كرست على اسم النبي ايليا (الياس)، المعروف في الانجيل، بارتباطه بمعجزة إرسال نار من السماء، لإحراق الرجال والنساء الذين أرسلهم الملك أخاب حاكم السامرة (سبسطية)، مع الآلهة الوثنية، وتعرف هذه المعجزة التي يشير التقليد إلى أنها وقعت على جبل الكرمل، باسم المحرقة.

عاش أخاب وزوجته الوثنية ايزابيل في سبسطية التي يطل عليها جبل أبو شعلة، وفصل الكتاب المقدس قصتهما مع النبي إيليا، والصراع بين كهنة بعل، وعبادة يهوة، التي لم تنته على جبل الكرمل.

يعلق كنعان على نسبة الموقع لإيليا: "لا بد أن المأثورات قد حافظت على القصة التوراتية مع تعديل طفيف، وهنا نجد شعلة وقد أخذ مكان إيليا".

ويمكن إلى الآن رؤية اللوحة التذكارية المهيبة، التي تحوي كتابات تأثرت بعوامل الزمن، على أحد مداخل القلعة، التي على الأرجح، تعرضت لترميم، وإعادة بناء أكثر من مرة ويتضح ذلك من خلال الحجارة المختلفة التي بنيت منها.

وهناك بعض الحجارة، مثل بقايا أعمدة استخدمت في البناء، كنوع من إعادة التدوير، فهي موجودة في مكانها غير المناسب.

تنتشر حول القلعة أشجار زيتون، وخربة أثرية، تشير إلى مجد المنطقة الغابر، التي تعاني الآن من التغييرات السياسية الدرامية التي شهدتها المناطق الفلسطينية، خلال العقود الماضية، فليس بعيدا عنها، توجد مستوطنة "شافي شمرون"، وتعرض الموقع نفسه لاقتحامات عديدة، ونصب جنود الاحتلال عليه برجا عسكريا خلال احدى الاحتفالات الاستيطانية في سبسطية، قبل ثلاثة أعوام.