لم يجلس على مائدة إفطار أو سحور منذ 25 عاما!

*مدفع رمضان في القدس .. حكاية ورثتها عائلة صندوقة أبا عن جد

حياة وسوق

 دينا دعنا

(25 عاما) لم يجلس فيها المقدسي رجائي صندوقة على مائدة افطار او سحور مع عائلته قط ، ففي الوقت الذي يستعد فيها المقدسيون للامساك او الافطار يعمل هو على تجهيز شعلة اطلاق مدفع رمضان القديم الذي يقع على تلة في مقبرة صلاح الدين في المدينة المقدسة."

ويقول" منذ اكثر من (25 عاما) دأبت على اطلاق مدفع رمضان الذي يعد تقليدا عائليا متوارثا منذ العهد العثماني حيث ورثت الامر عن والدي، ووالدي ورثها عن جدي وقد ارتبط المدفع بعائلة صندوقة منذ 120 عاما، وحاليا استخدم المدفع الموجود منذ العهد الاردني بعدما تم نقل المدفع القديم منذ العهد التركي الذي كان يستخدمه جدي الى داخل المتحف الاسلامي في المسجد الاقصى".

ويضيف"أشعر بالغيرة من الناس لانهم في ذلك الوقت يكون الجميع مع عائلاتهم، وانا احتاج الى عشرين دقيقة لأصل الى بيتي وافطر بين اهلي، واكتفي بموعد الافطار بحبة تمر وكأس من الماء لحين العودة الى المنزل"، مشيرا إلى أن  زوجته تعمل في السحور على تحضير بعض السندويشات التي يتناولها بالسيارة.

ويتابع" بالرغم من ذلك غير أن اطلاق المدفع يشعرني بالمتعة والبهجة، فالكل ينتظر سماع صوت المدفع حتى ان بعض المؤذنين ينطلقون بالأذان فقط بعد سماع صوت المدفع، كما اشعر بالفخر والسرور لاني احافظ على الارث الاسلامي في القدس، واعتبر عملي هذا بمثابة رسالة عظيمة اقدمها للمقدسيين".

 

رهبة وخوف

ومن المواقف التي حصلت مع صندوقة يقول : " في احدى المرات، فتحت باب المقبرة ووصلت الى مكان المدفع، سمعت اصواتا من حولي، فأنا لا اخاف عادة لكن وجودك بين الاموات له رهبة كبيرة، سألت: من هناك؟ فلم اسمع ردا، فصوبت حجرا باتجاه الصوت واذ برجل يخرج والدماء تسيل من رأسه، حتى اتضح في النهاية ان سبعة من عناصر مخابرات الاحتلال كانوا يراقبونني ويتتبعون خطاي واختبأوا في المقبرة كي يعلموا من يرافقني ومع من اتحدث!

 

مهمة شاقة

وعن مهمة اطلاق المدفع، يشير صندوقة الى أنها ليست بالمهمة السهلة وانما شاقة ومتعبة وتحتاج للعديد من التحضيرات والاجراءات قبل نحو شهرين، واهمها الحصول على تصريح من قبل بلدية الاحتلال وخبير بالمتفجرات والأمن والشرطة لمواصلة ضرب المدفع.

ويضيف: قديما كنا نستخدم مادة البارود، لكن سلطات الاحتلال منعتنا من ذلك بحجة خطورتها وتم استبدالها بالقنبلة الصوتية، حيث يحضرها أمن الاحتلال يوميا الى المقبرة قبل آذان الفجر وموعد آذان المغرب وينتظرون حتى اطلاق القنبلة كما تقوم سيارة شرطة بالوقوف بمحطة الحافلات بمحاذاة المدفع حتى الانتهاء من ضربه لحجج أمنية.

 

مضايقات اسرائيلية

وحول مضايقات الاحتلال يقول : تعرضت للعديد من المضايقات والكثير من الاجراءات تفرض علي منها الاتصال بمركزين لشرطة الاحتلال في كل مرة يطلق فيها المدفع، واخذ دورات تدريبية لنيل تصريح بالعمل تجدد كل خمس سنوات، وقد اصطحبت اولادي معي كي لا تكون لهم اي حجج مستقبلية.

وتضيف : في كل عام تأتي سلطات الاحتلال بحجة جديدة في محاولة منها للقضاء على مدفع رمضان  بعدما اوقفت عمله في بيت لحم والخليل ونابلس ابان الانتفاضة الاولى، لكني احاول تقبل حججهم وتحديتهم كي لا يُمنع فيها صوت اطلاق المدفع في القدس.

ويوضح : في السابق كان صوت المدفع يدوي في جميع المناسبات الدينية كالمولد النبوي وذكرى الاسراء والمعراج وعشية عيدي الفطر والاضحى لكن مع تضييق الاحتلال لم يستخدم الا بشهر رمضان المبارك.

من الجد الى الحفيد

ذلك الانفجار الذي يهز ارجاء القدس والذي يؤذن ببدء الامساك او الافطار يحمل حكاية طويلة لا تنتهي، يوضح صندوقة : كان جدي يعرف توقيت الأذان عندما يقوم شخص من باحة المسجد الاقصى بالتلويح  باشارة ما الى شخص يقف على سور القدس الذي يقوم بدوره باعطاء اشارة لجدي لاطلاق المدفع، وورث والدي هذا الامر عن والده وانا ورثته عام 1992 .

ويضيف : كنت واشقائي نذهب مع والدي الى المقبرة ونشاهده اثناء ضرب المدفع وفي احيان كثيرة كنا نتوجه نحن لضربه بعد تقدمه في العمر، واذكر اني تعرضت وشقيقي للاعتقال بينما كنا نضرب المدفع بحجة عدم حوزتنا على تصريح حيث كان التصريح فقط مع والدي، منوها إلى أن  والده هو الشخص الوحيد المخول بضربه مضيفا" لكني عملت على تحويل التصريح باسمي واصبحت منذ ذلك الوقت اعمل بمفردي على ضرب المدفع ومؤخرا اصبح ولدي يشاركني بذلك".

ويؤكد صندوقة أنه سيعمل للحفاظ على المدفع مهما كانت اساليب الاحتلال قائلا : لن استسلم لهم وسأبقى صامدا في وجههم ليبقى مدفع رمضان رمزا مقدسيا وإرثا تاريخيا وحضاريا وعادة رمضانية يجب الا تغيب عن القدس.