اعباء مالية.. الفلسطينيون انفقوا مليارات الشواقل خلال رمضان

رام الله –الحياة الجديدة- دائرة التحقيقات الاستقصائية- المواطنون يودعون الشهر  الفضيل محملين باعباء مالية كبيرة  تصل قيمتها الى مليارات الشواقل بسبب ما فرضه عليهم من  انفاق اكثر من ضعف دخلهم الشهري، ما يثير الكثير من التساؤلات المتعلقة بمضمون رسالة  الشهر الفضيل، في ظل السلوك الاستهلاكي المعارض لثقافة ومعان ورسالة الشهر الفضيل.

وحسب المعلومات التي جمعتها "الحياة الجديدة" على المستوى الوطني فقد  اكد اغلبية المواطنين اضطرارهم للاستدانة ضعف رواتبهم الشهرية للايفاء بالالتزامات المالية التي ترتبت عليهم خلال رمضان، مؤكدين ان انفاقهم الاساسي تركز على شراء  الطعام ومسلتزماته وعلى وجه الخصوص اداء واجب عزائم  الاقارب باعتبارها احدى طقوس الشهر الفضيل.

ويقول احد الموظفين العموميين :"  موضوع عزائم الولاياه وعزائم رمضان احتل الانفاق الاساسي بالنسبة لي ما دفعني للاستدانة قرابة 1000 دينارا اردنيا فوق راتبي لتغطية هذا الانفاق"، موضحا ان لا يمكن الغاء هذا الالتزام باعتباره عادة  اساسية في شهر رمضان الفضيل.

في المقابل فان  احدى الموظفات في القطاع الخاص في مدينة رام الله ، اكدت انها انفقت قرابة 10 الاف شيكل لتغطية نفقات رمضان، خاصة على موضوع العزائم ووجبات الافطار، موضحة انها تتولى مسؤولية ادارة اسرتها المكونة من 8 افراد وهذا يضع على كاهلها التزامات عالية كونها تعيش في مدينة رام الله والبيرة.

الشهر الفضيل في قطاع غزة

"رمضان جانا وفرحنا به بعد غيابه وبقاله زمان، غنوا وقالوا شهر بطولة أهلاً رمضان" ، هكذا كنا نستقبل شهر رمضان بأجواء احتفالية وشوق وفرحة غامرة ، لما يمثله هذا الشهر الفضيل من مكانة كبيرة في قلوب ووجدان الأمة الإسلامية عامة وشعبنا الفلسطيني خاصة.

ولكن للأسف الشديد تحولت هذه الحفاوة باستقبال الشهر الفضيل لدى الكثير من الأسر الغزية الى معاناةترهق كاهلهم فرضتها نمط الحياة الاستهلاكية المخيف الذي بات يطغى على شهر رمضان والذي عززته العادات والتقاليد الاجتماعية الموروثة ، الأمر الذي اتسمت معه حياة الكثيرين بالتكلف والإسراف في ولائمهم حتى أصبح شهر رمضان موسما للسرف والترف مما شكل عبئا اقتصاديا كبيرا على الأسر الغزية الأقل حظا ودخلا، وباتت معه الحاجة ماسة للأمن الاجتماعي والاقتصادي والغذائي وترشيد الإنفاق والاستهلاك.

عادات وتقاليد مرهقة

يقول عماد عطا الله صاحب محل لبيع ملابس الأطفال بمدينة غزة أن الثقافة السائدة لدى المجتمع الغزي والعادات والتقاليد الموروثة جعلت شهر رمضان يشكل عبئا اقتصاديا على كاهل الأسر الغزية حيث تتزايد فيه الالتزامات المالية بشكل كبير ويتضاعف فيها المصروف اليومي للأسرة بنسبة تصل إلى %100 مقارنة بالمعدلات الطبيعية في الأشهر الأخرى.

ودلل عطا الله على وجهة نظره بأن مصاريف شهر رمضان تختلف تماما عن باقي الأشهر من حيث نوعية الأطعمة والحلويات والمشروبات التي تقدم على موائد الإفطار وعدم الاكتفاء بصنف واحد على المائدة، مشيرا الى أن أسرته المكونة من 8 أفراد يلزمها مصروف يومي للطعام في شهر رمضان لا يقل عن 80 شيقل وهو الحد الأدنى حسب تعبيره في حين في الأيام الأخرى هذا المبلغ يكفي لأكثر من يوم.

ونوه عطا الله الى أنه بجانب هذا المصروف اليومي يجب عليه توفير ميزانية أخرى مخصصة للعزائم والولائم التي يتميز بها شهر رمضان وتوفير ميزانية لزيارة صلة الرحم والأقارب ، إضافة الى أن شهر رمضان هذا العام يأتي في موسم الصيف والإجازة المدرسية الأمر الذي يتطلب معه الخروج والتنزه بعد الإفطار وهذا أيضا يزيد من التكلفة.

وأكد عطا الله أنه كصاحب محلات تجارية وبحكم طبيعة عمله مع جميع فئات المواطنين أن هناك هوة كبيرة بين مستوى دخل الأسرة الغزية ومستوى المعيشة المرتفع، وان مستوى دخل الأسرة الغزية انخفض بنسبة لا تقل عن 60% عما كانت عليه في الماضي، ولكي تستطيع الأسرة الغزية المتوسطة العدد المرور بسلام من هذا الشهر لابد أن تخصص ميزانية لا تقل عن 2800 شيقللمتطلبات هذا الشهر فقط.

ثقافة شرائية خطأ

من جانبه أكد عبد الناصر شراب صاحب محل عطور بمدينة غزة الرأي القائل أن العادات المتبعة والثقافة الشرائية الخطأ في شهر رمضان جعلته يثقل كاهل المواطنين ، فأسرته الصغيرة المكونة من 3 أفراد يلزمها مالا يقل عن 60شيقل مصروف يومي وهذا الرقم بالنسبة للأيام العادية يعتبر كبير.

وأرجع  شراب سبب السلوك الاستهلاكي الخاطئ الذي ترسخ لدى المواطنين خاصة في شهر رمضان  وأدى الى ارتفاع في حجم الاستهلاك على المواد الغذائية من الأطعمة والحلويات والمشروبات واقتنائهم سلعا قد لا يحتاجونهاالى أن شهوة نفس الصائم تتزايد إلى أعلى حدودها.

وقال شراب الى أنهيسعى الى توخي سياسة التسوق الذكي خلال شهر رمضان والابتعاد عن الشراء قبيل موعد أذان المغرب،
والتخطيط المسبق للمشتريات، وذلك عبر تخصيص مبلغ معين لشراء السلع الغذائية، ووضع قائمة بالمشتريات التي تريدها الأسرة، مع الالتزام بها إلى جانب اختيار وقت التسوق.

ويضيف شراب أن هناك ظاهرة أخرى طفت على السطح في المجتمع الغزي وهي محلات السوبر ماركت الكبيرة " المولات " والتي تشهد إقبالا كبيرا من المواطنين حيث تقوم هذه المولات بتكثيف حملاتها الدعائية وعروضها الكبيرة على السلع والمواد الغذائية الأمر الذي يدفع الكثير من المواطنين الى ارتيادها ظنا منهم أنها توفر عليهم  الكثير من الأموال ، وهذا بدوره يفقد الكثير من محلات السوبر ماركت الصغيرة فرصة المنافسة ، وربما تكون هذه المحلات الصغيرة هي مصدر دخل وحيد للعديد من الأسر ، مما يؤثر عليها سلبا ويضمها لقائمة الاسر المستورة .

ويضيف شراب أنه قرر هذا العام قرر الشراء من محلات السوبر ماركت الصغيرة دعما لها ، مؤكدا أنه وجد حاجته فيها ولا يوجد فرق في الأسعار بينها وبين " المولات" بل وجد نفس العروض على المواد الغذائية ، مرجعا السبب الى أن مصدر هذه البضائع واحد ويقوم التجار بتوزيعها على جميع منافذ البيع ، ولكن الفرق يكمن في وجود أنواع من السلع الغذائية في المولات قد لا تناسب جميع فئات المواطنين.

تناقض كبير

من جانبه يقول أبو حمزة "موظف"أننا نرى إقبالا كبيرا في شهر رمضان وبصورة غير طبيعية على "المولات"  واكتظاظا كبيرا بداخلها في الأيام الأولى من الشهر خاصة على أصناف معينة من السلع الغذائية كالأجبان والتمور والمكسرات والشوربات والعصائر التي يختص بها الشهر، حيث أصبح هذا الإقبال عبارة عن طقوس اعتاد عليها المواطنون ، ولكن الحقيقة أن هذا الإقبال ليس مؤشر على رفاهية أهل القطاع لأن الوضع الاقتصادي مرتبط بالدرجة الأولى برواتب الموظفين، وهي فئة قليلة والبقية يعانون من البطالة.

وأشار أبو حمزة الى وجود ظاهرة تشكل تناقضا كبيرا يمكن رصدها داخل هذه "المولات"، فالزائر لأحد هذه المولات يستطيع أن يستشعر مدى الطبقية التي أصبح عليها قطاع غزة، وذلك من خلال ملاحظة طابور طويل من المواطنين المصطفين بالعشرات في أحد أركان "المول" لصرف "طرد غذائي" أو قسيمة شرائيةتم الحصول عليها من أحد المؤسسات الخيرية، والتناقض يكمن في الفرق الواضح والكبير بين رواد وزبائن "المول" وهذه الفئة من المواطنين التي بالكاد تستطيع الحصول على قوت يومها، مطالبا جميع المؤسسات التي تقوم بتوزيع القسائم الشرائية مراعاة مشاعر هذه الفئة من المواطنين وإيجاد طريقة أفضل تحفظ لهم ماء وجههم وتراعي مشاعرهم.

وجهات نظر مختلفة

من جانبه يخالف علاء كحيل تاجر من مدينة غزة الرأي القائل أن شهر رمضان مرهق ماديا ، فهو يرى أن شهر رمضان شهر بركة لا يختلف عن غيره من الأشهر ولكن ما يحدث حسب وجهة نظره هو إقبال المواطنين على الشراء بكثافة خاصة في المواد الغذائية والتموينية في وقت معين خلال الأيام القليلة التي تسبق الشهر الفضيل استعدادا للشهر حتى بدايته وهو ما يظهر حجم الإقبال الشديد ، ولكن بعد انقضاء الأيام الأولى من الشهر الفضيل يعود مؤشر الشراء الى طبيعته.

وعبر كحيل عن رأيه في التكلفة الزائدة لهذا الشهر بقوله أن المجتمع الغزي يخضع لموروث ثقافي واجتماعي لا يمكن الفكاك منه ومن ضمن هذه الموروثات والعادات والتقاليد رغبة المواطنين في إقامة الولائم والتزاور بينهم ، وهذا بدوره يؤدي الى تكلفة مالية كبيرة ، ولكن بالمقارنة بالأشهر الباقية للعام فهناك أيضا عادات وتقاليد أخرى توازي مصاريف شهر رمضان بل في أحيان كثيرة تفوقها من حيث التكلفة المادية مثل موسم الأفراح ، خاصة في فصل الصيف الذي تكثر فيه الأعراس وهذا أيضا يصاحبه تكاليف مادية كبيرة ، وأيضا في حالة حدوث وفاة يحدث نفس الشي ، ويرى كحيل أن المعضلة ليست في الشهر الفضيل أو غيره المعضلة الأساسية تكمن في ضيق الحال وقلة دخل المواطنين والحصار المضروب على القطاع منذ أكثر من 10 سنوات وانعدام فرص العمل، وأن ما يجب الحديث عنه البحث عن حلول مناسبة له للوضع الاقتصادي السيء للقطاع.

مقاطعة وهمية

من جانبه يقول خالد السوافيري أحد أصحاب محلات بيع الدواجن أن شهر رمضان يشهد إقبالا كبيرا على شراء الدواجن من قبل المواطنين بالرغم من ارتفاع أسعارها، وأن هذا الارتفاع دعا الكثير من المواطنين الى التذمر من أسعار الدواجن ودفع بعضهم الى رفع شعارات مقاطعة الدواجن حتى تعود الأسعار الى طبيعتها، إلا أنها مقاطعة وهمية ولم تتأثر حركة البيع بل أن محله يشهد زيادة ملحوظة في حركة البيع.

وأرجعالسوافيري الإقبال الكبير على شراء الدواجن خاصة في شهر رمضان لارتفاع أسعار اللحوم والأسماك مقارنة بسعر الدجاج فهو يعتبر بالرغم من ارتفاع سعره أخف على المواطن من شراء اللحوم والأسماك، واضافالسوافيري أن وجود العديد من الجمعيات الخيرية وأهل الخير الذين يقومون بالتعاقد مع المطابخ الشرقية لتوفير وجبات للمحتاجين والفقراء في هذا الشهر يكون الدجاج المكون الرئيسي لهذه الوجبات وهذا يعمل على زيادة الطلب على شراء الدواجن أيضا.

أصحاب المطاعم

من جانبه يقول نائل الغزالي صاحب أحد المطاعم بمدينة غزة أن شهر رمضان شهر بركة ويشهد إقبالا كبير من جميع المواطنين على المطاعم سواء للإفطار داخل المطعم أو طلب وجبات الإفطار خارجه، مؤكدا أن الأسبوع الأول من الشهر الفضيل يشهد إقبالا كبيرا على الوجبات خارج المطعم لأن المواطنين يقومون في الأيام الأول بإعداد الولائم والعزائم للأهل والأقارب، ويبدأ الضغط على المطعم بعد ذلك وفي الغالب يكون المطعم كامل العدد باقي أيام الشهر.

وأكد الغزالي أن بركة الشهر الفضيل تطال الجميع فالأسر الميسورة تجد في شهر رمضان فرصة لجمع شمل العائلة وتقيم ولائمها في المطاعم وفي المنتجعات السياحية وفي الغالب تتكون وجبة إفطارها من المشاوي أو أضلع الخروف وتتراوح تكلفة الفرد في هذه الولائم 70 شيقل، وهناك أيضا أسعار أقل تصل فيها تكلفة الفرد من 40 شيقل الى 15 شيقل حسب القدرة المالية للأسرة مما يتيح فرصة للجميع بإقامة الولائم والعزائم.

وأضاف الغزالي بالنسبة للأسر المستورة التي تعاني من ضيق الحال تجدها تنتظر شهر رمضان لأن هناك الكثير من أهل الخير والمؤسسات الخيرية الذين يتعاقدون مع أصحاب المطعام لإعداد وجبات إفطار يقومون بتوزيعها على تلك الأسر المحتاجة ، الأمر الذي يخفف كثيرا عن كاهل تلك الأسر من تبعات الشهر الفضيل المالية ويدخل عليها السعادة، مشيرا الى أنه بالرغم من صعوبة الوضع الاقتصادي الذي يعاني منه أهل القطاع إلا أنه يصاحب الشهر الفضيل حالة من التكافل والتعاضد بين المواطنين.

محللون اقتصاديون

يقول د.ماهر الطباع خبير ومحلل اقتصادي أن شهر رمضان يأتي في ظل أسوء أوضاع اقتصاديةتمر بقطاع غزة منذ عقود وذلك في ظل استمرار وتشديد الحصار المفروض على القطاع واستمرار الانقسام الفلسطيني وعدم الوفاق وتفاقم أوضاع وأزمات المواطنين كما أدى منع دخول مواد البناء التي تعتبر العصب والمحرك الرئيسي للعجلة الاقتصادية الى وجود حوالي 75 ألف مواطن مازالوا بدون مأوى جراء الحرب الإسرائيلية صيف 2014 حسب تقرير صدر مؤخرا عن «الأونروا».

ويضيف الطباع أنه من المتعارف علية أن معدلات الاستهلاك ترتفع من قبل المواطنين في شهر رمضان الكريم ، مما يشكل عبئا اقتصاديا إضافيا على كاهل المواطنين محدودي ومعدومي الدخل , حيث تكثر احتياجات المواطنين وتتضاعف المصاريف في هذا الشهر الكريم من خلال الموائد الرمضانية المختلفة، والتزاماتهم من النواحي الاجتماعية والعائلية في ظل تفاقم أزمة البطالة والفقر حيث ارتفعت معدلات البطالة بشكل جنوني و بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني ووفقا لمعايير منظمة العمل الدولية فإن نسبة البطالة في قطاع غزة قد بلغت 41.2% وبلغ عدد العاطلين عن العمل ما يزيد عن 200 ألف شخص في قطاع غزة خلال الربع الأول من عام 2016 .

ويضيف الطباع أن معدلات البطالة في قطاع غزة تعتبر الأعلى عالمياوأصبح ما يزيد عن مليون شخص في قطاع غزة دون دخل يومي وهذا يشكل 60% من إجمالي السكان وهم يتلقون مساعدات إغاثية من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، وجهات محلية وعربية ودولية , بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الفقر والفقر المدقع لتتجاوز 65% , كما ارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة لتصل إلى 72%  وأن الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عشرة سنوات أدي إلى دمار البنية الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية, وأصبح مليونا شخص يعيشون في أكبر سجن بالعالم.

وأكد د. الطباعأن شهر رمضان يأتي هذا العام والأسواق تشهد حالة كساد وركود اقتصادي في كافة الأنشطة الاقتصادية وأهمها القطاع التجاري الذي يعاني من ضعف في المبيعات نتيجة لضعف القدرة الشرائية لدي المواطنين , وأصبحت الأسواق التجارية خالية ومهجورة من الزبائن وأن استمرار هذا الوضع على ما هو علية سيكبد التجار والمستوردين ورجال الأعمال خسائر فادحة خاصة فئة التجار الذي يتعاملون مع البضائع الموسمية الخاصة بشهر رمضانولن يستطيعوا تغطية مصاريفهم الجارية الثابتة نتيجة الانخفاض الحاد في مبيعاتهم اليومية.

ومن جهة أخرى يقول محمد أبو جياب رئيس تحرير جريدة الاقتصادية أن الحديث لا يدور فقط عن مشتريات المواطن ومصروفاته في شهر رمضان وإنما يدور عن المحيط الاقتصادي الذي يعيشه قطاع غزة ، فالحديث عن بطالة تصل الى 50% ومستويات دخل متدنية إن لم تكن معدومة وغلاء معيشي كبير، وكل ما له علاقة بمكونات هذا الشهر الفضيل مرتبط أساسا بالموارد المالية للمواطنين التي يحتاجها المواطن من أجل تلبية احتياجاته اليومية ومتطلباتهالاقتصادية والاجتماعية.

ويؤكد أبو جياب أن شهر رمضان يعتبر أكثر أشهر العام كلفة ووجود الكثير من المواطنين معدومي الدخل ولا تتوفر أمامهم أية فرصة عمل للتوقف الكامل لكافة فرص العمل والوظائف المستحدثة في القطاع بجانب الغلاء المعيشي وخاصة في اللحوم البيضاء والبيض والألبان والدرنياتالتي تعتبر جزء أصيل من السلة الغذائية للمواطن الغزي.

ظاهرة الطبقية

ويشير أبو جياب الى ظاهرة الطبقية التي بدأت تطفو على السطح  في المجتمع الغزي عندما نتحدث عن طبقات تعمل وذاتدخل مرتفع وهم قلة وتظهر على هذه الطبقة مظاهر الإسراف غير المنطقي في عمليات الصرف والشراء تظهر في المولات الكبيرة ومحلات السوبر ماركت والبذخ في الولائم والعزائم وتظهر في كثير من الاستراحات السياحية والشاليهات الخاصة والفنادق التي تكون مزدحمة لدرجة أن الحجز يتم قبلها بيوم أو اثنين ، كل هذا يظهر مدى الفرق الشاسع في المستويات الاجتماعية التي بدأت تتبلور وينحصر فيها المجتمع الغزي فقط الى طبقتين بجلا من ثلاثة كما هو متعارف عليه في جميع المجتمعات.

الولائم في رمضان الضفة

الولائم من العادات الأساسية في شهر رمضان، إلا أن الظروف الاقتصادية فرضت على البعض تقليصها لأنها أثقلت كاهلهم  بالديون، فهي تحمّل الضيف والمضيف عبئا اقتصاديا.

قال حاتم قاسم من محافظة طوباس:  المصروف في شهر رمضان يزداد عن أشهر الإفطار؛ ففي رمضان مائدة من الطعام الدسم، وغالباً ما تحوي صنفين من الطعام أو أكثر، يتبعها العصائر والفواكه، ناهيك عن أسعار الدجاج الذي أخذت أسعاره بالازدياد مع مرور كل يوم من رمضان.

وتابع قاسم: المسؤوليات والتكاليف لا تتوقف على الأسرة في المنزل فقط، بل يتبعها برمضان ولائم "للولايا" الخوات " وبنات الخوات ، وبنات الأخوة المتجوزات، وبنات العم وبناتي المتجوزات، فأنت تتحدث عن ما يزيد عن 30 شخصا، و يتم جمعهم في وليمة واحدة، فالأمر مرهق  ماليا لمعيل الأسرة وجسديا لنساء البيت؛ فأقل وليمة لا تقل تكلفتها على 1000 شيكل ويزيد.

وواصل حاتم: إن العزائم لا تقتصر على "الولايا"، فهناك النسائب والأصدقاء يتم دعوتهم ويدعونك هم في يوم آخر  خلال الشهر الفضيل.

وأردف قاسم: الأسعار مناسبة ومقبولة وليس هناك استغلال من التجار، ولكن العروض تشجع البعض على الأنفاق وشراء السلع بكثرة للاستفادة من العروض، والدجاج كالعادة يرتفع في رمضان، أما ما تبقى من المواد الاستهلاكية يبقى على حاله، لكن للأسف الناس تتجه للتبذير والإسراف في رمضان دون حاجة، كأنهم يحاولون إشباع حاجاتهم بفترة الصيام بكثرة الشراء وبالموائد الطويلة العريضة متعددة الأصناف، وللأسف هناك أناس شغل "مناظر".

أعتبر حاتم: أن الولائم في رمضان لصلة رحمك واجب ديني واجتماعي، فليس هناك أجمل أن تجمع صلة رحمك في بيتك بالشهر الكريم، نعم الأمر مرهق ماديا؛ لكنه شهر واحد في العام وعلينا القيام بواجبات أرحامنا فربنا الرزاق.

في المقابل كان  لأبو معاوية شلبي من  بلدة عتيل قضاء طولكرم رأي معاكس  فهو لا يقيم الولائم  نهائياً برمضان ولا يقبل العزائم ولا يعزم أحدا.

وأوضح أبو معاوية: أنه يذهب بزيارات بعد الإفطار ويجلب الهدايا لصلة رحمه، وأنه يفضل أن يعزم لكنه لا يعزم؛ من أجل أن لا يكلف أحدا نفسه بالمقابل ويدعوه لوليمة، فالظروف  المادية للناس مختلفة فمن هذا الباب " ما بدي أحرج حدا".

وتابع شلبي: مصروف شهر رمضان المبارك يتبع لطبيعة الشخص وإدارته، نحن نتجنب العزائم قدر الإمكان ونكتفي بزيارة الولايا في أوقات بعد الإفطار مع هدية تليق بهم، وذلك حتى لا نكلفهم برد العزومة.

من جهته قال عبدالرحيم حنايشة  من جنين:  أن المصروف يزداد نظرا لبعض العادات وهي الدعوات "العزايم" شبه الأسبوعية للأخوات والبنات والأقارب والأصحاب؛ ولكن هذا العام يختلف نظراً لتنافس التجار على البضائع والمأكولات مما تسبب برخص الأسعار وليس ارتفاعها.

وتابع حنايشة: أضحى رمضان شهر للتبذير والإسراف وليس شهر العبادة والتقرب من الله للأسف.

في المقابل قال "ع.ح" من جنين:" عادات الولائم في رمضان مرهقة ومكلفة ومحرجة بنفس الوقت، فأغلب أشهر رمضان لا أقوم بوليمة "للولايا"؛ لأنه بصعوبة اغطي احتياجات بيتي الأساسية في رمضان، ولست حملاٌ لولائم تزيد "الطين بله"، فدخلي 2000 شيقل بغير رمضان، دون ولائم وطبخة شبه يومية لا يكفيني في ظل غلاء المعيشة".

وأضاف "ع.ح": رمضان السنة قمت باستلاف مبلغ من المال لأعزم " الولايا"؛ لأنني خجلت من كوني الوحيد من  أخواني من لا يدعوهن، فلم أرغب أن أكون "ناقصاً" أمامهن، والمشكلة الأكبر تتمثل بعزائم النسائب والأصحاب، فكل وليمة يجب أن تقابله بالمثل، فأختصر ولا أذهب عند أحد؛ من أجل ما اضطر أن أعزم أو أُعَزم.

أما  لينا الشرفا من نابلس قالت:" إن مصروف رمضان يزداد للضعف والعزائم تكاليفها عاليه وتبذير ليس له داعي،  والأسعار  بشكل عام مرتفعه وليس لها سعر ثابت من محل لآخر، فالسلعة الواحدة يختلف سعرها، وهناك استغلال في بعض الحاجيات كالخضار مثلا التي  ارتفعت اسعارها  كثيرا في شهر رمضان".

وأوضحت لينا : أن بعض الناس  يعتبرون رمضان شهراً للأكل فقط وبكون على السفرة 4 الواحدة مابين أربعة أو خمسة أصناف للطعام ومعظمها "للكب على الفاضي".

وواصلت الشرفا: "والله مبارح الجاج والرز ع الأرض بجانب الحاويات في نابلس انا شفتو بعيني".

قال خ.ق من طولكرم : المصروف في رمضان يزيد 200% عن الأشهر العادية، خاصة مع وجود العزائم المرهقة جدا، خاصة لأصحاب الدخل المحدود، وفي ظل استغلال التجار نلاحظ مثلا  أن كيلو الليمون قبل رمضان كانت تباع ب3 شواقل ولكن اليوم ب8 شواقل.

وأضاف خ.ق: "غدا عندنا وليمة للأقارب "بالموت تا دبرت حالي وأكلت هوا"،  لأنك مجبر ان تتماشى مع العادات الموجودة وما "تطلع ناقص"، ومثل ما عزمك بدك تعزمه، باختصار مصروف رمضان يعادل مصروف أربعة شهور ".

وتابع: "الناس في رمضان  كأنها " مش ماكلة" وهناك تبذير بطريقة لا توصف، وعين بعض الصائمين فارغة ؛وفي الآخر كله من نصيب حاويات النفاية  للأسف".

ومن قلقيليه قالت فداء داوود:  يزداد المصروف في شهر رمضان عن الأشهر السابقة 2500 شيكل تقريبا بسبب ارتفاع اللحوم والخضار والالتزام في المشتريات طوال الشهر.

 وتابعت داوود: إن عزائم رمضان مكلفه لما فيها من إسراف وتبذير من ناحية تعدد الطبخات والحلويات وأيضا العصائر والمشروبات ومرهقه ومتعبه الوقوف طول الوقت لانجاز ثلاث طبخات على الأقل، وليس كل الناس عندهم القدرة على أقامت مثل هذه العزائم لكنها أصبحت عادة وعرف عند الناس.

وعن استغلال التجار للمواطنين قالت فداء: أنه شيء متعارف عليه عند التجار "هاي فرصتهم"  في رمضان، فمثلا سعر كيلو لحمة الخاروف وصل 90 شيكلا ولحمة العجل 55 شيكلا والخضار أسعاره ارتفعت، حتى عصير السوس ارتفع سعره في هذا الشهر العبوة ب 8 شيكل.

عادات الخليل في رمضان

في محافظة الخليل تتفاوت العزائم والولائم في عدة مناطق بالخليل لتجد المدينة يصل عدد المعازيم في ولائمها إلى 400 شخص لدى بعض العائلات، غير أن هذا الرقم انخفض لدى البعض الآخر إلى 100 شخص بسبب اقتصار الدعوة على  ذوي القرابة درجة أولى  فقط .

ويشير المواطنون في مدينة الخليل الى أن العادة اقتضت تقديم لحم الضأن في الولائم بواقع كيلو من اللحم لكل 4  أشخاص ففي حالة دعوة 100 شخص فانهم يحتاجون لـ 25 كيلو من اللحم الصافي، وبالتالي تبلغ تكلفة اللحم وحدها حوالي 2500 شيقل هذا عدا الارز ومقادير المنسف أو "القدرة" وأجرة القاعة  أو الكراسي والأدوات والحلويات وغيرها من بقية التكاليف التي تقدر بـ 3000 شيقل.

أما في قرى الخليل فلا يقل كثيرا عن مدينتها فيصل عددهم من 60 ـ 80 شخص علما أن هذا العدد يقل في شمال الخليل ويزداد في جنوبها وفقا للعينة العشوائية التي تم أخذها، وهم عادة ما يقدمون لحم العجل أو الضأن وتصل تكلفة الوليمة لديهم بكل توابعها حوالي 4000 شيقل.

في محافظة بيت لحم يقدمون في ولائمهم  إما لحم الضأن أو الدجاج ويصل عدد المعازيم إلى حوالي 50 شخص أما التكلفة فتصل لحوالي 3000 آلاف شيقل وفقا لعينة عشوائية.

وأكد عدد من اللحامين تضاعف عدد الذبائح التي يذبحونها في رمضان بشكل كبير بنسبة تصل إلى أكثر من 50 ٪.

يذكر أن متوسط عدد العزائم التي يدعى اليها الشخص الواحد في محافظة الخليل برمضان حوالي 10 عزائم يلبي منها 5 على الأقل.

احصائيات وتقديرات

وحسب الاحصائيات الرسمية لجهاز الاحصاء المركزي فان نسبة  الاسر الفلسطينية النووية  تصل الى 84% في حين ان حجم الاسر الفلسطينية 7  افراد فاكثر تصل نسبتها الى 34%، ما يعني ان زيادة الانفاق ستكون عالية في شهر رمضان لمثل هذه الاسر .

وبلغ عدد الأسر المقدر منتصف العام 2010 في الأراضي الفلسطينية 694,652 أسرة، بواقع (457,357 ) أسرة في الضفة الغربية و(237,295 )أسرة في قطاع غزة، وذلك بالاستناد إلى النتائج النهائية للتعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت، 2007. من جانب آخر تشير البيانات إلى أن هناك انخفاضاً في متوسط حجم الأسرة في الأراضي الفلسطينية، حيث انخفض متوسط حجم الأسرة إلى 5.8 فرداً عام 2009 مقارنة مع 6.4 فرداً عام 1997. من جانب آخر انخفض متوسط حجم الأسرة في الضفة الغربية إلى 5.6 فرداً عام 2009 مقارنة مع 6.1 فرداً عام 1997، أما في قطاع غزة فقد انخفض متوسط حجم الأسرة إلى 6.3 فرداً في العام 2009 مقارنة مع 6.9 في العام 1997 .

وعند  اجراء عملية حسابية بسيطة تقوم على ان افتراض ان كل اسرة فلسطينية انفقت في شهر رمضان مبلغ 3000 شيكل، وضرب هذا الرقم بعدد الاسر في فلسطين فان النتيجة توشر الى قرابة 2 مليار و83 مليون شيقل في شهر رمضان مع الاشارة الى ان هذا الرقم افتراضي ووضع على اساس ان 3000 شيكل وضع كرقم افتراضي فقط، مع العلم ان معدلات الانفاق في شهر رمضان تزيد ولا تقل حسب المؤشرات من اراء المواطنين، ما يعني الرقم الاجمالي التقديري يصل الى 5 مليارات شيكل انفقت خلال الشهر الفضيل.

أشارت نتائج مسح إنفاق واستهلاك الأسرة الفلسطينية 2007، أن متوسط إنفاق الأسرة الشهري النقدي على مختلف السلع والخدمات بلغ 608 دينار أردني في الأراضي الفلسطينية (بواقع 708 دينار في الضفة الغربية مقابل 415 دينار في قطاع غزة). شكل الإنفاق النقدي على مجموعات الطعام الجزء الأكبر من متوسط الإنفاق الكلي للأسر في الأراضي الفلسطينية حيث بلغت نسبة الإنفاق على مجموعة الطعام 33.0% (بواقع 31.7% في الضفة الغربية مقابل 37.7% في قطاع غزة).

اشراف : منتصر حمدان

شارك في انجاز التحقيق

عماد عبد الرحمن

اسلام ابو عرة

انصار طميزا