في مطابخنا ما يهدد سلامتنا

مواد تحظرها المواصفة الفلسطينية ولكن...

حياة وسوق - تحقيق ولاء الشمالي
ثمنه رخيص، ووزنه خفيف، وخصائصه العملية في الاستخدام كثيرة، موجود في كل البيوت، يلامس طعامنا، وأيادي أطفالنا، وقد يحوي مواد شديدة الخطورة، تفتك بصحتنا إذا ما دخلت في تركيبته. إنه البلاستيك الذي يصبح قاتلا في حال دخلت المادة الكيميائية المعروفة باسم مادة (البيسفينول أ) BPA))   bisphenol Aفي صناعة الأدوات الملامسة للغذاء لتكسبها تماسكا وصلابة. 
ويؤكد الخبير البيئي د. جورج كرزم أن هناك خطرا كبيرا من هذه المادة (BPA)   التي تتسبب بأمراض فتاكة وتؤثر بشكل كبير على عمل وظائف الجسم و"تسبب اختلالات هرمونية، وقد تتسبب السرطان، كما تؤثر على عمل الدماغ، وتتسبب في أنواع مختلفة من الحساسية وفي تغيرات هرمونية لدى الأطفال والبالغين، كما تتسبب في السمنة الزائدة، وهي أيضا مقاومة للإنسولين".
ووجدت معدة التحقيق ما يدعم تحذيرات الدكتور كرزم في العديد من الدراسات العلمية المنشورة على الانترنت، لا تتسع مادة صحفية محدودة الكلمات لذكر تفاصيلها، ولكنها متاحة على الشبكة العنكبوتية ويمكن لأي مهتم العودة إليها، ونشير إلى بعضها باختصار. 
وتفيد المعلومات التي حصلت عليها معدة التحقيق بان العديد من دول العالم تحظر استخدام (البيسفينول أ) في المنتجات البلاستيكية. وأصدرت وزارة الصحة في كندا تعليمات صارمة تحظر استخدامها في رضاعات الاطفال الصناعية لكونها "تسبب تليف نظام القلب والأوعية الدموية، وخداع خلايا الجسم بتقليل دور هرمون الاستروجين الذي يؤدي الخلل به الى تشكيل وترسب الدهون، ما يؤدي الى السمنة، كما ان لهذه المادة دورا في انقسام البويضات ما ينتج عنه تشوه الاجنة والاصابة بخلل في الجهاز العصبي اذا كان الجنين انثى". 
ودراسة اخرى اجراها مركز كاليفورنيا للأبحاث والدراسات البيئية اكدت ان المواد البلاستيكية الذي يحتوي تركيبها على مادة الـ BPA تفسد انظمة المناعة لدى الاطفال فتصبح الفرصة للاصابة بالامراض المختلفة اكبر. كما ان مركز كولومبيا لصحة الاطفال البيئية اثبت ان تعرض الاطفال لهذه المادة يزيد من فرصة الاصابة بمرض بالربو. اما ادارة الغذاء والدواء الاميركية فأصدرت قرارا عام 2012 بمنع استعمال (البيسفينول أ) في رضاعات وأكواب الاطفال لما لها من خطورة عليهم.


ممنوعة فلسطينيا... ولكن!
يشدد رئيس لجنة التعليمات الفنية الالزامية في مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية سليم جيوسي على أن المادة "ممنوع استخدامها في فلسطين حسب التعليمات الفنية الالزامية للمواد البلاستيكية الملامسة للغذاء التي تحمل رقم41- 2013". فهل هناك جهة فلسطينية تتولى فحص المواد البلاستيكية المستوردة او المصنوعة محليا للتأكد من خلوها من هذه المادة شديدة الخطورة؟، من هنا بدأت رحلة التقصي التي استمرت 4 أشهر بحثا عن إجابة لهذا السؤال. 
وحسب قانون الصحة العامة، تتولى وزارة الصحة بالشراكة مع الأطراف ذات العلاقة مسؤولية التأكد من سلامة الغذاء والدواء المقدم للمواطنين. ويقول مدير عام صحة البيئة في وزارة الصحة ابراهيم عطية إنه "لا يتم اجراء عمليات فحص" للتأكد من خلو المواد البلاستيكية من هذه المادة، "بسبب ضعف الامكانات المادية وعدم وجود اجهزة في مختبرات الصحة تفحص هذه المواد". وأضاف: "رغم وجود هيئة اعتماد للمختبرات على الورق إلا أن ذلك لا يعني ان الفحوصات ستكون دقيقة". 
وتابع: "يوجد لدينا مختبرات ولكننا في اول الطريق وما زلنا غير قادرين بعد على فحص المواد الكيميائية بالدقة المطلوبة، لأنها تحتاج الى كادر ضخم من الموظفين والمستلزمات المادية نرتكز عليه، ونحن نستعين بالمختبرات في الجامعات الفلسطينية لكن تبقى امكاناتها محدودة ولا توجد متابعة على فحوصاتها لمراقبة مدى جودتها". 

بطاقة البيان لا تكفي!
بدوره يشير الخبير البيئي جورج كرزم الى ان المشكلة الجدية أن الوزارات والجهات الحكومية المعنية (خاصة وزارتي الصحة والاقتصاد الوطني، ومؤسسة المواصفات والمقاييس) لا تفرض على مصنعي المواد البلاستيكية المستخدمة في تعبئة المياه وتغليف الأغذية، بأن يفصحوا عن المواد الكيميائية الموجودة في منتجاتهم.
وأكد ان هذه الثغرة التنظيمية تخفي عن المستهلكين المواد الكيميائية التي يمكن أن تتسرب إلى الأغذية التي يتناولونها أو المياه التي يشربونها من العبوات البلاستيكية.  
في المقابل يدعو الجيوسي صانعي المواد البلاستيكية الى الاعلان عن مكونات المادة ببطاقة بيان موجودة عليها ايضا الرمز الذي يعني انه مطبق للتعليمات الفنية والالزامية، ويضيف: "مسؤولية الصانع تقتضي ان يعلن عن مكونات المادة الملامسة للغذاء التي يصنعها، حفاظا على السلامة العامة وتطبيقا للقانون".
وأوضح ان مادة الـBPA) ) هي مادة كيمياوية ممنوع استخدامها بالمواد الملامسة للغذاء في فلسطين وخاصة في المنتجات التي يستخدمها الاطفال كزجاجات الرضاعة (والعضاضة واللهاية)، والعاب الاطفال.
ويدعو عطية الى ضرورة التزام التجار ببطاقة البيان بناء على قانون اصدرته وزارة الاقتصاد :"وهناك مواد تحوي هذه البطاقة ولكن هذا لا يكفي لان المشكلة تكمن في التأكد من مصداقية المكونات المذكورة على بطاقة البيان حتى ان وضع التاجر بطاقة البيان على المنتج فهذا ليس دليلا على خلوها من المواد الممنوعة الضارة ولذلك الفحص هو اولوية وهو الاهم من بطاقة البيان".

هل يمكن أن يبقى الأمر رهنا لضمير المصنعين؟
يوضح رئيس جمعية حماية المستهلك محمد شاهين ان مسؤولية الرقابة تقع على وزارة الصحة "لأنها تمتلك اجهزة ضخمة ومتميزة تكاد تضاهي الاجهزة الموجودة في بعض الدول المجاورة وهي الاساس في عملية الفحص والمراقبة، وهذا يستدعي منهم المتابعة والتفتيش والاستعانة بهذه المختبرات والامكانات الموجودة لديهم".
ويعتقد شاهين ان السيطرة على السوق تتم من خلال القوانين والتشريعات الرادعة والفحوصات الدورية والمراقبة المستمرة وبهذا نستطيع ان نسيطر على السوق.

مختبرات الجامعات
تواصلت معدة التحقيق مع ادارة المختبرات في عدد من الجامعات، وتبين انها لا تجري الفحوصات المخبرية للتأكد من وجود المادة المحظورة في المواصفة بالمواد البلاستيكية الموجودة في الأسواق، لكن الاجابة كانت ان "لا امكانية فنية لاجراء الفحص"، ولما كانت وزارة الصحة تؤكد ان الفحص لا يتم في مختبراتها للتأكد من خلو الادوات البلاستيكية من المواد المحظورة بموجب المواصفة الفلسطينية، خلصت معدة التحقيق الى ان المواصفة لا حارس لها، حتى الآن.

"مختبراتنا ..."
وحسب رواية الدكتور رمزي صنصور (دكتوراه علوم صحة البيئة) الذي كان يعمل سابقا في مختبرات وزارة الصحة ومختبرات جامعة بيرزيت، هناك أجهزة متطورة وحديثة جدا في الوزارة لفحص المواد الكيميائية والعضوية وغيرها.
وأكد صنصور ان اجهزة مختبرات وزارة الصحة التي تم التبرع بها من الدول المانحة اثناء عمله بالصحة من عام 2009 الى 2013 أكثر تطورا من مختبرات الجامعات، "وان جهازي  gas chromatography mass spectrometry 
وLiquid chromatography–mass spectrometry  موجودان بالصحة ومن خلالهما يتم فحص المواد الداخلة في صناعة البلاستيك والمواد الكيميائية والعضوية وغيرها من مواد لها تأثير خطير على صحة الانسان"، ومن بينها مادة الـBPA) ).
وأضاف: "على الصحة ان تهتم أكثر وتركز على فحص المواد العضوية الموجودة والمنتشرة بكثرة في كثير من المواد التي يستخدمها الانسان والتي تؤثر بشكل كبير على صحته وحياته، وألا يبقى تركيزها على المواد الحافظة، رغم أهمية ذلك ولكن الأهم هو المواد العضوية والكيميائية".
ونبه صنصور الى ضرورة استغلال هذه الأجهزة بأفضل ما يمكن، خدمة للمواطنين وللارتقاء بالقطاع الصحي.
وأضاف: "يجب ان يكون الفحص حسب مراحل التلوث مثلا، لا على فحوصات مكررة ويوجد ما هو أهم منها وأكثر خطرا علينا وعلى البيئة".

شركات تستعمل المادة المحظورة
وعودة الى الخبير البيئي جورج كرزم فانه "يعتقد" ان "العديد من الشركات تستعمل المادة المحظورة في البطانة البلاستيكية لعبوات المواد الغذائية والمشروبات، وفي الطلاء الداخلي لعلب حفظ الأغذية، والعبوات البلاستيكية الخاصة بتخزين الأغذية؛ وقد تتواجد في قناني الأطفال، وأيضا في قناني المشروبات الخفيفة".
"ورغم أن بعض الشركات ألغت هذه المادة من عبواتها وأغلفتها، إلا أنها لا تزال تتواجد في بعض العبوات والأغلفة البلاستيكية المكتوب عليها “PC” و”recycling # 7”.  وإجمالا قناني المياه البلاستيكية القابلة للضغط وإعادة الاستعمال والمسجل عليها رمزا التدوير 3 أو 7، يمكن أن تحوي مركبات BPA وBPS". يضيف كرزم.
واوضح كرزم انه مع زيادة الوعي بأضرار هذه المادة، فقد انكمش كثيرا سوق العبوات وقناني الأطفال المحتوية على BPA. داعيا الى التدقيق في المكونات الكيميائية للعبوات والقناني البلاستيكية التي تحوي غذاء أو مشروبا أو تستخدم لحفظ الأغذية،  قبل شرائها.  وفي حال وجود أي شك لاحتواء العبوة على هذه المادة (دون ذكرها الصريح) يجب أيضا عدم شرائها أو استعمالها.
ونصح كرزم تجنب هذه العبوات والأغلفة وتناول الأغذية الطازجة، بدلا من تلك المعلبة والمغلفة، واستخدام الأواني والأوعية الزجاجية والفخارية والبورسيلان و"الستانلس ستيل"، فضلا عن استخدام قناني الأطفال الزجاجية.