عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 تموز 2022

صناعة الفوضى واستحضار العنف.. هنا فلسطين (3)

أنور رجب

كان من البديهي أن يقع الاختيار على جماعة الإخوان لتكون محط رهان صناع الفوضى من قوى دولية وإقليمية كفاعل رئيسي في بلدان "الثورات"، وهذا الاختيار لم يكن عبثياً أو اضطرارياً كما أشرنا في مقالتنا السابقة، وإنما جاء استناداً لقراءة وفهم تلك القوى لنهج ومنهج جماعة الاخوان في عدائها للدولة الوطنية، وامتلاكها لمشروع عابر للحدود وهو بمضمونه يتعارض ويتناقض مع مشروع الدولة الوطنية وموازٍ له.

هذا الفهم كان حاضراً في العقل الاستراتيجي لمراكز صنع القرار في دولة الاحتلال، وهو ما يفسر النشأة الملتبسة لفرع جماعة الاخوان في فلسطين بداية الثمانينيات من القرن الماضي، والتي تثير العديد من التساؤلات حول التوقيت والآليات والوسائل التي تم بموجبها التأسيس والمنهج الذي جاءت به الجماعة، حيث منحت حكومة الاحتلال في حينه كافة التسهيلات لها ومنحتها التراخيص اللازمة لتأسيس ما عرف في ذلك الوقت بـ"المجمع الإسلامي" وما انبثق عنه من نوادٍ وجمعيات خيرية ومؤسسات نقابية وطلابية، وشرعت لها كافة الأبواب لممارسة نشاطاتها وفعالياتها، في حين كانت تفرض الكثير من القيود والاجراءات العقابية من ملاحقة واعتقالات وغرامات مالية على الكل الوطني دون استثناء. وقد جاء ذلك كله في إطار سعي الاحتلال لإيجاد منافس إسلامي لمنظمة التحرير ويحمل مشروعاً موازياً ومتعارضاً مع المشروع الوطني الذي تتبناه، وقد وجد ضالته في جماعة الإخوان.

منذ تأسيس فرعها في فلسطين لم تخفِ الجماعة استعداءها للكل الوطني، إذ رفعت منذ البداية شعار البديل (حماس البديل وليست التكميل)، وهو أيضاً ما جاء لاحقاً في اعتراف قائد الحركة خالد مشعل في سبتمبر 2016 بقوله "اكتشفنا أن نظرية البديل نظرية خاطئة". ولم يقتصر سلوك الجماعة على الشعارات، إذ شرعت على أرض الواقع بتنفيذ تلك السياسية عبر تشكيل مؤسسات موازية من جهة، والسعي للاستئثار بالساحة الفلسطينية من خلال توظيف العنف كمنهج وسلوك في علاقاتها الوطنية، وهو سلوك غريب وطارئ على الحالة الوطنية الفلسطينية، حيث بدأت بمهاجمة المؤسسات الوطنية والعبث بها وحرقها أحياناً كما حدث في جمعية الهلال الأحمر، والاعتداء على الرموز الوطنية والقيادات التنظيمية من كافة الفصائل، وهو ما يعني أن العنف متأصل في فكر ومنهج الجماعة، كما هو متأصل رفض الآخر وكراهيته وازدراؤه.

ثلاث محطات رئيسية في تاريخ الشعب الفلسطيني شكلت فرصة واختبارا في آن معاً لحركة حماس لتقف أمام ذاتها وتعيد حساباتها ومنطلقاتها ضمن مفهوم الوطنية الفلسطينية، حيث كانت الانتفاضة الأولى عام 87 وهو نفس العام الذي  شهد انطلاق الحركة باسم "حماس" بمثابة المحطة الأولى، والثانية كانت تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو، وكانت المحطة الثالثة اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، أما النتيجة النهائية للمحطات الثلاث فكانت فشلا ذريعا ورسوبا كبيرا لحماس في اختبار الوطنية الفلسطينية. في المحطة الأولى قامت بتشكيل جسم موازٍ للقيادة الوطنية الموحدة، ورفضت بذرائع واهية الانضمام لمنظمة التحرير خلال المباحثات التي جرت في السودان آنذاك. وفي المحطة الثانية عملت حماس بكل جهد على وضع العصي في دواليب السلطة الناشئة من خلال تشكيل ما عرف في حينه بالجهاز السري وممارسة أنشطة استهدفت إثارة الفوضى، وكل ذلك بهدف تقويض السلطة وإظهارها أمام المجتمع الدولي كسلطة ضعيفة غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها. في المحطة الثالثة وفي ظل تغير المعادلة الداخلية الفلسطينية لجهة مواجهة إسرائيل دخلت حماس معترك الفعل المقاوم، واستثمرت الحركة تلك الظروف وبدأت تدريجياً بإعادة بناء منظومتها العسكرية والتنظيمية وإمبراطوريتها المالية بدعم من ايران وحزب الله والتنظيم الدولي لجماعة الإخوان. هذا في الوقت الذي كانت تتعرض فيه السلطة الوطنية ومؤسساتها المدنية والأمنية لتدمير ممنهج وصولاً لإعادة احتلال الضفة الغربية وحصار الرئيس الشهيد ياسر عرفات، واغتياله باعتباره "غير ذي صلة".

وبالعودة قليلاً لتلك الفترة، وتسجيل بعض من وقائعها وأحداثها المفصلية سنجد أن حركة حماس وبعد ما اشتد عودها بدأت تقود حالة من الفوضى المنظمة وفي صلبها المؤسسة الأمنية، وقد سجلت في أكتوبر 2002 أول عملية اغتيال استهدفت العميد راجح ابو لحية قائد قوات حفظ النظام بالشرطة الفلسطينية، وتوالت بعدها عمليات الاغتيال والتفجير واقتحام مقرات الأجهزة الأمنية وارتكاب مجازر عدة بحق منتسبيها، ناهيك عن المظاهرات والمسيرات التي كان يتم توظيفها ضد السلطة الوطنية بغض النظر عن اليافطة التي كانت ترفعها وطنية كانت أم اجتماعية والتي كانت تنطلق في أغلبها من المساجد التي أحكمت حماس سيطرتها عليها تدريجياً بعملية منظمة وممنهجة، والجدير ذكره هنا أنه تلك الفترة شهدت حملة منظمة قادتها الحكومتان الاسرائيلية والأميركية ومن تواطأ معهما من عجم وعرب ومؤسسات دولية وأطراف داخلية تتهم السلطة وقياداتها بالإرهاب والفساد وسرقة المال العام، وهو ما أجادت حماس استثماره وتوظيفه للتحريض والتحشيد ضد السلطة ومكوناتها، وبالتوازي نشطت مؤسساتها وجمعياتها الخيرية من خلال تفعيل برامجها الاجتماعية والخدماتية والإغاثية في حين كانت السلطة تعاني من حصار مالي واقتصادي حال دون قدرتها على مجاراة حماس على ذلك الصعيد.

شهد عام 2005 الانسحاب الاسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة في وقت بلغت فيه حماس ذروة قوتها وجبروتها، وبالتوازي نشطت الاتصالات الأميركية مع حماس، بهدف وضع الترتيبات لدخولها المعترك السياسي من بوابة الانتخابات التشريعية وفق اتفاقية أوسلو التي رفضتها حماس ورفضت كل إفرازاتها فيما سبق لاعتبارات وطنية ودينية حسب ادعائها. وكنتيجة طبيعة للظروف والأوضاع التي كانت سائدة في حينه سواء على الصعيد الوطني والسلطة وممارسات حكومة الاحتلال أو على صعيد حركة فتح، بالإضافة لما راكمته حماس من إنجازات على مستويات عدة وبدعم من قوى اقليمية ودولية سواء مباشر أو غير مباشر فازت حركة حماس وحصلت على الاغلبية المطلقة، وهو الفوز الذي لم يمنعها من الاستمرار في برنامجها ومنهجها في تنفيذ مشروعها الموازي والانقلاب على نفسها وعلى السلطة الوطنية والسيطرة على قطاع غزة بالقوة المسلحة، وتكريس واقع جديد أهم ملامحه الفصل السياسي والجغرافي بين شقي الوطن والإصرار عليه، والأهم عدم إبداء حماس أي نوايا جدية لمراجعة نهجها ومنهجها، والمضي قدماً في تنفيذ مشروعها بفصل قطاع غزة وتشكيل إمارة بيافطة إسلامية بشروط ومقاييس ومعايير إسرائيلية تنسجم وتستجيب لما ورد في صفقة القرن، وليس هذا وحسب وإنما السعي بشكل محموم لإثارة الفوضى في الضفة الغربية بوسائل أقل خشونة، دون اكتراث للمآلات والنتائج التي ستقود إليها تلك الفوضى وتأثيراتها على القضية الوطنية، إذ يتلخص هدفها في اسقاط السلطة اعتقادا منها أن ذلك يفتح الباب لاعتراف دولي بشرعية إمارتها في قطاع غزة، والتعامل معها كبديل للسلطة الوطنية بحكم الأمر الواقع.